فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 523

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} الأحزاب 7.

إن العهد هو وصية الله للبشرية وصفقة المبايعة بينه وبينها {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} البقرة 40، لذلك كان التعبير القرآني بلفظين دقيقي التركيب وافيين بالمعنى المطلوب، هما (العهد) و (الوفاء) .

وحروف لفظ (العهد) الثلاثة (العين والهاء والدال) تدل لغة على الاحتفاظ بالشيء وتعهده وصيانته، يقال: تعهد ضيعته إذا رعاها ولم يغفل عنها، وتعهد أرحامه ومعارفه وأصحابه إذا أحسن إليهم ورعى حقوقهم وحُرَمَهم، كما أنها تدل على الوصية في قوله تعالى {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} يس 60، ومن ذلك العهد بمعنى الأمان والذمة كما في قوله تعالى {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} البقرة 124، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ) ، والعهد رعاية حرمة الخلائق أقارب وأباعد بشرا وحيوانا وحجرا ونباتا والامتثال لأمر الله تعالى في التعامل معها وتعهدها.

إن العهد إذا عقد لزمت صيانته ورعايته، ولا يكون ذلك إلا بإتمامه وإكمال شروطه غير منقوصة أو مبتورة، لذلك ورد لفظ العهد في القرآن في أغلب سياقاته مقرونا بلفظ آخر يفيد الإتمام والإكمال هو لفظ (الوفاء) كما في قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُم} .

ذلك أن الحروف التي ركب منها لفظ الوفاء (الواو والفاء وحرف العلة) تدل مجتمعة على معنى الإكمال والإتمام، يقال: أوفيتك أو وفيتك حقك إذا قضيته وافيا، كما في قوله تعالى {وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} آل عمران 57.

من هذه المعاني عرف المجتمع الإسلامي النموذجي أخلاقا راقية سامية، وهجر في مقابل ذلك رذائل من سوء العهد والخيانة والغدر والتنكر لأخوة العقيدة والإنسانية والحياة المشتركة.

لقد أمر الله عز وجل أمرا مطلقا بالوفاء بالعهد ما لم يكن معصية، وجعل الوفاء بالعهد من صفاته فقال: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ} التوبة 111، ثم جعله من صفات أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام، على رأسهم إبراهيم عليه السلام فقال: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} النجم 37، حين أتم تنفيذ أوامر ربه {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} البقرة 124، وحين لبَّى داعي ربه بتقديم فلذة كبده للذبح، وحين صبر واحتسب إذ ألقي في النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت