كما وصف بالوفاء مدحا وتعظيما أولياءه وأصفياءه أولي الألباب والأبصار فقال: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلا ينقُضُونَ الْمِيثَاقَ} الرعد 19 - 20.
إن في عاتق المؤمن صنفين من العهود ينبغي الوفاء بهما: عهدا مع الله عز وجل، وعهدا مع الخلائق بشرا وحيوانا وشجرا وحجرا، مصدره الأساس هو العهد مع الله.
ذلك أنه سبحانه إذ خلق آدم وذريته وأنزلهم إلى الأرض ابتلاء واختبارا، لم يتركهم هَمَلًا، بل أنزل معهم الكتاب والميزان وألزمهم بمواثيق في الاجتماع والمعاملة، في السر والعلن، في الرضا والسخط، في المحبة والمبغضة، وكل ذلك مبني على العهد مع الله مرتكز عليه. فإن نقض المرء عهده مع الله انتقض تبعا لذلك العهد مع الخلق، وإن انتقض عهده مع الخلق كان ذلك مؤشرا على خيانة عهد الله وميثاقه. ومن ثم وجب الوفاء بعهد الله وميثاقه قبل كل وفاء، كما ورد في حديث البخاري (فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاء) .
إن العهد الذي انتظم العلاقة مع الله تأسس في ضمير الغيب، والناس في ظهور آبائهم {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} الأعراف 172.
ثم جدد هذا الميثاق ببعثة الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، عقيدة وعبادة وبرا وحسن رعاية ومودة {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} النساء 165، {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} آل عمران 81.
ثم أناط عز وجل مهمة التذكير بهذه المواثيق والعهود بورثة الأنبياء وهم صادقو علماء الأمة وفقهائها، فقال عز وجل: {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} آل عمران 187. وجعل من الوفاء بالعهد أداة لحفظ بيضة الدين والدفاع عن حماه، متخذا مع المجاهدين عهدا واثقهم به على الشهادة، وعقد معهم صفقة مربحة ومقايضة للأرواح بالجنة، مؤكدا تمام الوفاء منه سبحانه بوصفه نفسه في ختام عقد المبايعة هذا بقوله {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ} فقال عز وجل: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} التوبة 111. فصارت الجنة بمقتضى هذا العقد ملكا للشهداء، وصارت هذه