إلا أن تميز آدم عن الملائكة بهذا العلم لا يسمح لأحد بتفضيله على الملائكة، كما لايسمح تميز الملائكة عنه بالطاعة المطلقة والعبادة المسترسلة بتفضيلها على آدم، لأن لكل من الطرفين مجاله الخاص به، ولأن المفاضلة بينهما من الغيب الذي استأثر الله به، ومصدرنا الوحيد فيه هو الكتاب والسنة وقد سكتا عن هذا الأمر، فلا نتدخل فيه.
كل ما يعنينا من الموضوع بينه الله لنا، وما لا ضرورة عقدية لنا فيه استأثر به في الغيب المستور، ولقد علَّم الله تعالى آدم علما، ثم سأل الملائكة عن هذا العلم فجهلوه، ثم أمر آدم بعرض هذا العلم أمامهم، فوقفوا على مكمن جهلهم ومدى قصور معرفتهم، وتعلموا بالتجربة ألا يستعجلوا النتائج أو يستبطئوها، لأن الله العليم الحكيم يعلمهم ما يهمهم ويهديهم إلى مراشدهم في الوقت المناسب واللحظة المناسبة التي يقدرها هو ولا يقدرها غيره، وحين علموا ذلك {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} ، هنالك أعاد رب العزة تذكيرهم بحقائق الإيمان الذي به تقوم السموات والأرض وما فيهن {قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} .
إن لله تعالى في كل أمر حكمة، بين بعضها واستأثر ببعض، حكمة خلق السماوات والأرض، وحكمة خلق الملائكة والجن والإنس وخلق ما لا يعلمون، وحكمة خلق الموت والحياة والبعث والنشور والخلود في الجنة أو في النار، نتلقى من هذه الحكم ما اقتضى علم الله ومشيئته أن نتلقاه، ولا نسأل عما حجب عنا منها، امتثالا لأوامره، وثقة في حكمته، وحياء منه عز وجل. وتسليما يقينيا بأنه سبحان وتعالى {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} الأنبياء 23.
ولئن علم الله تعالى آدم ما لم يعلمه الملائكة من قبل، فإنما ذلك تزويد له بأدوات استخلافه في عالم الأرض التي هي مجال تكليفه وابتلائه، وما دام الملائكة سيوكلون بمهامهم في هذه الساحة الآدمية فلا بد أن يخبرهم آدم بنفسه عن هذه الأسماء التي تعلمها من ربه والتي هي أدوات عمله الذي يسأل عنه وتشهد عليه الملائكة، ولذلك أمره ربه فقال له: {قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} ، وكأنما ذلك من آدم شهادة منه على نفسه في الملأ الأعلى بأنه تزود لساحة الابتلاء المقبلة بكل ما يحتاجه، وفي هذا المشهد العظيم من التربية والتعليم والترشيد للطرفين ملائكة وآدميين ما ينير القلوب ويهذب النفوس ويشرح الأفئدة ويهدي إلى معالم الإيمان والإحسان، ويعين على تحمل الأمانة وأدائها، فلقد علم الله تعالى آدم الأسماء كلها، ليعمل بها، ثم زود الملائكة بها للشهادة عليها ومراقبة التزام الآدميين بلوازم العبودية في العمل بها، وبذلك نال كل طرف ما يحتاجه، ولا عذر لأحد في التقصير أو التثبير أو التخسير.
لقد اختلف المفسرون في حقيقة الأسماء التي تعلمها آدم من ربه، فشرحها الراغب الأصفهاني في"مفردات ألفاظ القرآن الكريم"لغويا بأنها"الألفاظ والمعاني مفرداتها ومركباتها، وبيان ذلك أن الاسم يستعمل على ضربين: أحدهما بحسب الوضع الاصطلاحي، وذلك هو في المخبر عنه نحو رجل وفرس، والثاني: بحسب الوضع الأولي، ويقال ذلك"