للأنواع الثلاثة المخبر عنه، والخبر عنه، والرابط بينهما المسمى بالحرف، وهذا هو المراد بالآية، لأن آدم عليه السلام كما علم الاسم علم الفعل، والحرف، ولا يعرف الإنسان الاسم فيكون عارفا لمسماه إذا عرض عليه المسمى، إلا إذا عرف ذاته. ألا ترى أنا لو علمنا أسامي أشياء بالهندية، أو بالرومية، ولم نعرف صورة ما له تلك الأسماء لم نعرف المسميات إذا شاهدناها بمعرفتنا الأسماء المجردة، بل كنا عارفين بأصوات مجردة، فثبت أن معرفة الأسماء لا تحصل إلا بمعرفة المسمى، وحصول صورته في الضمير، فإذن المراد بقوله: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} الأنواع الثلاثة من الكلام وصور المسميات في ذواتها"."
أما حقيقة هذه الأسماء فقد قال السدي عمن حدثه، عن ابن عباس:"عرض عليه أسماء ولده إنسانًا إنسانًا، والدواب، فقيل: هذا الحمار، هذا الجمل، هذا الفرس"، وقال الضحاك عن ابن عباس:"هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وسماء، وأرض، وسهل، وبحر، وجمل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها"، وقال مجاهد:"علمه اسم كل دابة، وكل طير، وكل شيء"، وروي عن سعيد بن جبير وقتادة وغيرهم من السلف:"أنه علمه أسماء كل شيء"، واختار ابن جرير"أنه علمه أسماء الملائكة وأسماء الذرية"، وهذه الأقوال كلها لا تستند إلى نص من كتاب أو حديث صحيح مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك علق الإمام ابن كثير عليها وعلى إسنادها بقوله:"فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السُّدِّي ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مُدْرَج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة. والله أعلم".
ولئن كانت طريقة تعليم هذه الأسماء مشافهة ومخاطبة أو إلقاء في الروع والعقل مما استأثر الله بعلمه، على رغم أن بعض المفسرين حاولوا الخوض في ذلك بما لا يثبت بدليل شرعي، فإن أداة التعلم لدى آدم، وهي سلاح السعي في الحياة الدنيا، وقوام التكليف والمسؤولية فيها، هي الطاقة العقلية الهائلة التي ركبت فيه وورثتها عنه ذريته، وبها استوعب الأسماء كلها، أسماء ما هو كائن وما يكون في مدة استخلافه في الأرض، واستوعب طرائق العمل بها والاستفادة منها وتسخيرها والاستعمار بها، تطويرا واكتشافا واختراعا، عبادة منه لربه وقياما بما وكل إليه، عُلِمَ ذلك بقوله تعالى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} الرعد 4، وقوله {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} الحج 46، وعلم ذلك أيضا من سياقات أخرى قرآنية وسنية وتشريعية كثيرة أخرى لا يتسع المقام للاستطراد بها.
إن العقل البشري المزود من خالقه بجميع ما تحتاجه الحياة الدنيا هو قناة تلقي الأوامر والنواهي، وأداة استيعاب التكاليف والقيام بمختلف الأعمال والتصاريف، ولئن كان الوجود المادي على الأرض وتحت السماء تسخيرا وإعمارا هو مجال الابتلاء كما قال تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} هود 7، فإن العقل هو محراث التثوير والتطوير