فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 523

والتنوير في هذا المجال، ولذلك علمه ربه الأسماء كلها. أما الوجود الغيبي وما يستتبعه من عقائد وتشريع وتكليف فقد تكفل القرآن والسنة بالهداية إليه وتوضيح محجته {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} ق 37.

لقد دلت هذه الآية الكريمة على أن المعرفة هي أساس التكليف، وسبب الاصطفاء والتفضيل، وللمعرفة مجالان مادي وغيبي، وأداتان عقل وقلب، العقل للإدراك والتدبير، والقلب للإيمان بالغيب الذي يقصر العقل عن ارتياد آفاقه، والمؤمن ينبغي أن يزاوج بينهما بشكل متوازن ودقيق لا يرقى إليه الخلل، فيكونان لديه متوازيين مترافقين في حالات، ومستقلين عن بعضهما في مجالات، ومتعاونين أو متداخلين بنسب معينة أو مترادفين، يقف أحدهما حينا ليتابع الآخر المسيرة، كفرسي رهان، بينهما برزخ لا يبغيان.

ولئن دعا الوحي إلى ضرورة توقير الغيب وتناوله بالقلب السليم، المليء بالإيمان الذي لا يناقش ولا يجادل ولا يسأل، مؤكدا حقائق متناهية في المطلق، لا يحيط بها العقل المجرد فقال تعالى: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} هود 123، وقال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} آل عمران 179، وقال: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} الأنبياء 23، وقال: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} الجن 26، فإنه في المقابل يدعو في مواطن أخرى إلى ضرورة استخدام العقل، وينعى على من جمد عقله وعطله، بلادته وغباءه وضلاله، قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} الأنفال 22.

ولئن كان الكون المادي في الأرض وما حولها مسخرا للوافد الجديد، آدم وذريته، ذلولا معطاء للرزق، ميسرا قابلا للتفاعل مع جهد السعي والإنتاج، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} الملك 15، وقال: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الجاثية 13، وكان الدين نفسه محتاجا إلى أداة لتنزيله على واقع هذا الكون المادي عبادة فردية وجماعية وإقامة أمة ربانية شاهدة تأمر نفسها وغيرها بالبر، فقال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه} آل عمران 110، وقال: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} البقرة 44، وكان في الأنفس والآفاق حول الأرض آيات تدل على الواحد عز وجل، وتهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم، فقال عز وجل: {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} فصلت 53، فإن الله تعالى قد جعل لكل ذلك في آدم وذريته جهازا هائلا ذا طاقة قوية متنامية تناسب كل عصر وكل حال، وتستثمر في كل مجال استخلافي على الأرض وما حولها، هذا الجهاز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت