فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 523

الضخم العجيب هو العقل بخصائصه وتلاوينه وما تبين لنا منه وما يتبين مع توالي التطور والتحضر والبحث والاستكشاف.

إن العقل أداة للتفكير، والتحليل، والملاحظة، والمقارنة، والتجريد، والتعميم، والتجربة، والاستدلال، والمحاجة، والمجادلة، والمحاكمات المنطقية، واستقراء الجزئي وصولا إلى الكلي، ومعالجة الخاص والمحدود والمقيد لاستكناه العام والمطلق، مجاله الكون المادي الفسيح اكتشافا واختراعا وتطويرا وتسخيرا، وميدانه المعاملات البشرية المتنوعة التي لم ينزل فيها الشرع أحكاما معينة ... يعتبر بالأدلة، ويعتد بالمقابلات والمقارنات والنتائج والمقاصد والغايات، يحسن ويقبح فيما ترك له أمر تحسينه وتقبيحه، ويميز المواقف السلوكية المناسبة لأقدار الرجال وظروف الزمان والمكان ... وإذا ما استخدم في مجاله وحدوده وطاقته، فهما و تدبيرا وتخطيطا وتنفيذا، لم يناقض معقوله المنقول، ولم يتلجلج في الجواب مسؤولٌ، وكان نورا وهداية وتوفيقا، كما كان خير طاقة تقوي القلوب وتشد أزرها وتطمئنها وتساعدها على الثبات ووضوح الرؤية، مثلما هو شأن إبراهيم عليه السلام في حواره مع نفسه أثناء تأمله السماء بعقله في لحظة صفاء قلبي وشفافية روحية: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِين فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّين فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يا قوم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُون} الأنعام 76/ 78. قال الباقلاني في الإنصاف:"... وقال عز وجل في الأمر باتباع حجة العقل: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} الذاريات 21، وقال: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} الواقعة 58/ 59، وقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} آل عمران 190، وقال: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} يس 78/ 79، وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه} الروم 27، فأمرنا بالاعتبار والاستبصار ورد الشيء إلى مثله أو الحكم له بحسب نظيره، وهذا هو الحكم المعقول والتقاضي إلى أدلة العقول".

إلا أن هذا العقل وهو مسخر للاستخلاف على الأرض لا يرتاد وحده آفاق الغيب؛ لأنه محدود بالزمان والمكان، والمحدود لا يحيط بالمطلق، ولأن الدين الذي هو أهم قيمة لدى الإنسان مصدره الغيب، ومحضنه الدافئ القلب، ثم بعد ذلك يأتي العقل للدعم والتوجيه والترشيد. لذلك وجب أن يتترس في المجال الغيبي بالكتاب والسنة، فهما وتطبيقا، وبقناة أخرى وهبها الله للإنسان هي القلب الحي الرباني الذي به اليقين والإيمان والتسليم للغيب والإحسان. ولئن كان الدين طِبَّ الحياة ودواءَها في المجالين الغيبي والشهودي، فإن دور العقل محصور هنا في أن يأخذ رفيقا متأنيا مشفقا رحيما بيد المرء ويسلمه إلى طبيبه النِّطاسِيِّ الحكيم الذي هو الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت