فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 523

إن الشطط في الاعتماد على العقل وحده يخرج عن دائرة السواء، ويجعل تصرفات العقول مصادمة لقواطع الشرع والمنقول، كما أن استخدامه بضوابط الكتاب والسنة يضمن السواء في جميع الميادين، ويجعل المرء على المحجة الواضحة والسبيل البين المستقيم، والعلم الطبيعي متطورا مزدهرا في خدمة الإنسانية ومن أجل سعادتها، ولقد حققت العقول السوية عندما سخرت في مجالها وحدودها، ما نراه من تقدم وريادة وتطور في مختلف العلوم، صناعة، وزراعة، وطبا، وفلكا، وفضاء، وذرة، وتجلى بذلك في النشاط الدؤوب اليومي للإنسان ما أودعه خالقه في عقله من بيان، وما علَّمه إياه من أسرار للنفس والأرض وما حولها في الآفاق والأكوان، كما تورطت العقول السائبة عندما تجاوزت حدودها وهي تعالج قضايا الغيب والشهود في متاهات من الأخطاء هبطت بها إلى مستوى تساؤلات الصبية والحمقى، دون أن تحقق أدنى نتيجة.

بهذا العقل النير الذي علمه ربه الأسماء كلها فاستوعبها، بين رب العزة للملائكة آية أخرى من آياته التي كانوا يجهلونها، ونبههم إلى حقائق إيمانية تربوا عليها وغابت عنهم في لحظة انبهار بالمعجزة الربانية الجديدة عليهم، معجزة الخلق الجديد الذي يتعلم ويستخلف، فيطور ما استخلف فيه من إعمار، ويكتشف ما أودع في خلافته من أسرار، ويعبد ذلك كله للواحد القهار، فخاطبهم بقوله: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} البقرة 31/ 33.

لقد حاول الفقهاء من قبل البحث عن محل العقل من الإنسان، فذهب الشافعي إلى أنه القلب مستشهدا بقوله تعالى: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} ق 37، وقوله: {فَتَكونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} الحج 46، ولكن القلب في هاتين الآيتين الكريمتين أطلق على العقل.

وذهب آخرون منهم أبو حنيفة وأحمد وابن قيم الجوزية إلى أن محله الدماغ. وحاول الغزالي التوفيق بين الرأيين فقال:"وقول القائلين واختلافهم في محل العقل فمن قائل إن محله الدماغ، ومن قائل إن محله القلب كلام القاصرين عن درك حقيقة ذلك، واختلافهم في ذلك لعدم استقرار العقل على نسق واحد، وانجذابه إلى البارِّ تارة وإلى العاقِّ أخرى وللقلب والدماغ نسبة إلى البارّ والعاق، فإذا رئي في تدبير العاق قيل مسكنه الدماغ، وإذا رئي في تدبير البارّ قيل مسكنه القلب".

إلا أن أول محاولة علمية تجريبية في تاريخ العلم والطب كانت قيام الشيخ الرئيس ابن سينا بتشريح الدماغ ونشر نتائج عمله في كتابه"التشريح"، فكان أول من ربط بين العقل والدماغ في بعض المظاهر الحسية والفكرية، وأول من عين مناطق في الدماغ لبعض أوجه النشاط العقلي والحسي للإنسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت