فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 523

واستمرت مسيرة البحث عن أسرار الدماغ بعد الشيخ الرئيس دهرا لم تتجاوز فيه ما حققه إلا بقليل، إلا أنه في القرن الثامن عشر الميلادي نشط الاهتمام العلمي بوظائف الدماغ نشاطا ملحوظا، وتطورت التجارب التشريحية بشكل أكثر دقة، وتأكد سريريا أن الدماغ هو المنظم لأكثر مظاهر نشاط الإنسان العقلي والفكري وقواه الإرادية والاختيارية، ولجميع فعاليات جسمه غير الإرادية كحركة الرئتين والقلب والجهاز الهضمي وما سواه. وكشفت هذه الدراسات عن مدى طاقة الدماغ البشري التي بلغ ما عرف من خلاياها أكثر من اثني عشر مليار خلية، تستطيع اختزان أكثر من مائة وعشرين مليار وحدة معلومات. ومع ذلك بقي الشك لدى العلماء حول مقدار الطاقة التي يستخدمها في ممارسته نشاطه الفكري، ما بين من يزعم أنه يشتغل بكامل طاقته، وبين من يدعي أنه لا يشتغل إلا بنسبة 12 في المائة من طاقته المخزنة.

إلا أن هذه الدراسات والتجارب تغفل حقيقة علمية تعد نقطة الارتكاز في أي بحث علمي رصين، هي أنها تتعامل مع مخلوق متكامل مادة وغيبا، جسدا وروحا، أفعاله وتصرفاته وأفكاره تصاغ بقواه كلها مجتمعة، فيها من دماغه ومن قلبه وأعصابه وأحاسيسه وروحه وما ورث عن أصوله، وتأثيرات بيئته ومجتمعه، وفيها من عوامل الروح وأقدار الغيب ما لايحيط به الإدراك وما لا يظهر في مشارح الأطباء ومختبرات العلماء.

إن أيا كان لا يجوز أن يستخلص من اللبن الحليب مشتقاته جبنا أو زبدة وغيرهما ثم يدعي أن هذه المستخلصات هي اللبن ولو أعاد خلطها كلها مع بعضها، كذلك لا يجوز لمن يدرس الدماغ البشري أن يدعي أنه بذلك يعرف عقل الإنسان وإن اكتشف بعض أسراره ومكوناته وفعالياته، وهذا الأمر عام في كل المخلوقات الإلهية، لا يكفي معرفة جزء منها للزعم بأنها عرفت كلها. وهذا من أسرار وظيفة الاستخلاف في الأرض، ومحفزات الإنسان فيها لاستكناه أسرارها واكتشاف غوامضها وتطوير مرافقها، وتعبيد الحياة فيها لخالقها، ولذلك قطع رب العزة على نفسه أن يري الإنسان آياته تترى في النفس وفي الآفاق.

بذلك يبقى التساؤل عن عملية التعلم التي ارتاض بها آدم عليه السلام، وعن العقل الذي تلقى به الأسماء كلها، مما يلفه الغيب فلا تظهر لنا منه إلا آثاره ومعالمه، وطرق تسخيره في الأرض وما حولها، وفي العبادة التي خلقنا لها، والسعي الذي نرجو به الجنة ونحذر به من النار.

إن الله العلي القدير إذ اقتضت مشيئته أن يستخلف الإنسان في الأرض ويمكن له فيها ويسلمه زمام تعبيد الحياة فيها لربها، ومفاتيحَ اكتشاف مكنوناتها وأسرار ما أودع فيها وفي الآفاق حولها نجوما وكواكب ومجرات ودقائق موجودات وكائنات، قد زود هذا المخلوق العجيب الضعيف جسديا مقارنة بما حوله من طبيعة قاسية، جبال وأودية، وعواصف وأنواء، وحر صيف وبرد شتاء، وحيوانات ضارية مفترسة، وأمراض فتاكة مهلكة ... زوده بمقومات نفسية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت