وغرائز دفاعية وإرادة صلبة وإصرار قوي على القيام بمهمة هذا الاستخلاف المادي، فتكاملت هذه القوى مع العقل الجبار الذي ارتاض من أول يوم في الملأ الأعلى على استيعاب الأسماء كلها وعرضها على الملائكة والعمل بها وتحمل مسؤولية أمانتها كما أخبر بذلك رب العزة فقال: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} الأحزاب 72.
إلا أن هذا العقل قد سلط عليه الشيطان وأولياؤه، اختبارا وامتحانا، والأهواء والشهوات استدراجا وفتنة، ولذلك قيل:"كيف ترجى نجاة العقل، والهوى والشهوة تكتنفانه، والشيطان يستولي عليه؟"، غير أن له من ربه العصمة بالعقيدة الإسلامية، يستمد منها الرشد، يدور حولها مستنيرا بهديها، كما تدور الأرض حول الشمس وتستمد منها النور، فإن حاد عن مساره أو فسق عن مجاله حولها كان الضلال والفساد في الدنيا والخسران المبين في الآخرة. وإن انضبط في مساره ولزم جادة الإيمان، دار حالُه مع الحق وعَرِيَ علمُه من الجهل، وبرئ عملُه من الفساد وقولُه من الشُّبَهِ، وقُرِن سعيُه بالتوفيق وجهدُه بالصواب، وعبادتُه بحسن الثواب. وكان هذا العقل ميزانَه في علاقاته مع الخلق، وسياساتِه في تدبير الأمر، وهاديَه إلى حسن السلوك، ومرشدَه إلى إيثار الآجلة والعملِ لها. وصلتَه بالعروة الوثقى، كتابِ الله وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم.