إن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على أصناف من التربية والإعداد النفسي والعقلي، وضروب من الإيحاءات الإيجابية الملهمة ما لو تمسك المرء بها نجا، هذا الإعداد الرباني توجزه كلمة واحدة هي التقوى، بمعناها اللغوي المشتق من الوقاية والاتقاء، ومعناها الإيماني الذي يختصره قوله تعالى: {وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} الشورى 15، وقوله: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ} هود 112.
هكذا تمضي بنا الآيات القرآنية، تطلعنا على نماذج من هذا التأهيل، وتقدم للبشرية مشاهد من هذا الإعداد هي لها أيضا تربية وترشيد وعظة، وتبقى مشاهد أخرى منه في طي الغيب المستور لأن حاجتنا إليها منتفية في مجال الاستخلاف في الأرض، وتبقى أسئلة بعضنا عنها معلقة بدون جواب، لأن حكمة الله تعالى تعلمنا أن من العلم فضولا بالنسبة لمهمة الاستخلاف تُرْبِكُ، ومن العلم بذورا في المجال الأرضي لا تثمر.
تبدأ دورة الإعداد بأمر إلهي للملائكة بالسجود لآدم، المخلوق الجديد غير المعصوم الذي يخرج من نسله من يفسد ويسفك الدماء، فيبادرون بالطاعة والتنفيذ، لا يجدون في أنفسهم حرجا مما قضى الله وأمر، ويخرون سجدا لآدم، وهم المقربون من ربهم {لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} الأنبياء 19/ 20.
يقول تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا} إلا أن السجود عبادةً لغير الله كفر، والله تعالى لا يأمر بالكفر، لذلك كان الاختلاف بين المفسرين حول السجود الوارد في هذه الآية وهو طاعة لله وعبادة، هل هو مجرد اتخاذ آدم قبلة كما نصلي للبيت الحرام اعتمادا على بعض معاني حرف الجر"اللام"في قوله تعالى: {اسْجُدوا لآدَمَ} ، و"اللام"يفيد أحيانا معنى"عند"فيكون المعنى"اسجدوا عند آدم"، وهو تأويل مرجوح، كما يفيد أحيانا معنى"مع"فيكون أمر السجود موجها لجميع الحاضرين وآدم معهم، أي"اسجدوا مع آدم"، وهو أيضا باطل، لأن صريح القرآن يفيد أن السجود موجه لآدم خاصة بقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} الإسراء 61.
أم هو لآدم سجود تحية وتكريم، ولله في نفس اللحظة سجود عبادة وطاعة وإعجاب بما فطر وأبدع، وهذا المعنى هو الصواب المأخوذ به، لأن سجود التحية كان مشروعا، وقد سجد إخوة يوسف تحية لأخيهم وتكريما، كما أخبر بذلك رب العزة فقال: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} يوسف 100.