فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 523

في هذا المشهد المهيب، تتجلى التربية الإلهية في ثلاثة أصناف من الخلق، ملائكة يسمعون ويطيعون ولا يستكبرون، وبشر يكرم بسجود مخلوقات نورانية فلا يصيبه أشر أو بطر أو كبر أو تعال، ومخلوق آخر هو إبليس أبى السجود واستكبر، فكان جزاء الملائكة مزيد قرب ورضا من الرحمن، وجزاء آدم تكريما آخر في الجنان، وعقوبة المستكبر غضبا عليه وطردا من عالم الإيمان إلى جحيم الكفر والعصيان، قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} .

ولئن كان سياق هذه الآية وصريح القرآن يبينان أن إبليس ليس من الملائكة، لأنهم معصومون إذ امتثلوا الأمر وهو غير معصوم إذ رفض واستكبر، ولقوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّه} الكهف 5، فإن هذا يحسم أمر خلاف بعض المفسرين حول حقيقة إبليس بأنه ليس من الملائكة أولا، ويبين ثانيا أن حرف"إلا"في قوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى} لا تفيد الاستثناء، لأنه لا يستثنى من الشيء إلا بعضه، وإبليس ليس من الملائكة ليستثنى منهم، ولأن حرف"إلا"كما يكون للاستثناء يكون أيضا للاستدراك بمعنى"لكن"، وهو الحال في هذه الآية الكريمة، التي معناها:"لكن إبليس أبى ..".

ورُبَّ معترض بأن الملائكة وحدهم أمروا بالسجود، فلم طولب به إبليس وهو ليس منهم؟، ويُجَاب بأن المحفل الرباني كان يضم أشرافا هم الملائكة ويضم من هم دونهم، فإذا وجه الأمر بالسجود للأخيار كان موجها من باب أولى لمن دونهم، أي لإبليس، وقد فهم لعنه الله ذلك إذ سجد من هم أعلى منه رتبة فأخذته العزة والكبرياء بالإثم فنال من العقاب ما نال.

ثم تنتقل بنا الآيات الكريمة إلى مشهد آخر من مشاهد دورة إعداد آدم للحياة الدنيا، بتكريمه مرة أخرى تكريما في طيه التأهيل والاختبار، وذلك بإدخاله الجنة، وتدريبه على مسؤولية التكليف، وحمل الأمانة، واتقاء ما يضر بعلاقته مع ربه، وتعليمه حكمين شرعيين لا بد من فهمهما والعمل بهما، هما المباح والمحظور، فقال تعالى: {وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} .

ولئن كان هذان الحكمان الشرعيان، أداة تدريب وترشيد لآدم عند خلقه في عالم الغيب، فلأنهما مفتاح الاستخلاف والفلاح ونيل رضا الرب بعد ذلك في عالم الشهود، إذ المباح ما أباحه الله لبني آدم من الأرض فقال: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} الجاثية 12/ 13، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} المائدة 87/ 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت