فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 523

أما المحظور فعله صريحا، وهو يتضمن الواجب تركه إشارة بمفهوم المخالفة، فمما يغضب الرب تعالى ارتكابه وتفتح به أبواب الفساد في الأرض، قال تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} البقرة 205، وقال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} الأعراف 33.

إن لآدم وزوجه في الجنة أن يأكلا منها أكلا طيبا رغدا، ويعيشا فيها معيشة رغيدة واسعة، ولكن عليهما من ربهما واجبا ملزما يسألان عنه، هو أن يجتنبا الأكل من شجرة واحدة معينة، هي رمز المحظور فعله والواجب تركه، وهذا يقتضي منهما ذاكرة قوية لا تنسى الأمر، وإرادة صلبة تقويهما على الامتثال، وتصبرهما على الكف، ووعيا ويقظة بال يعصمانهما من الانخداع والاستغفال.

إن الظلم كل الظلم أن يعصيا ربهما بالأكل من الشجرة، لأنه ظلم لنفسيهما وظلم لذريتهما وظلم للسنن الكونية التي تقتضي لرب العزة الطاعة والامتثال، وهو {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} الرعد 9، وليس لهما عذر الخطأ والزلل، لأنهما رأيا ما حل بإبليس إذ زل وعصى واستكبر عن السجود فطرد من رحمة الله، ولأن الأمر الإلهي الصريح الواضح بلغهما بقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} .

وفي الجنة تبدأ الدورة التدريبية الأخرى، ترويضا لذاكرة آدم وعزيمته، واستحياء لشيم الوفاء بالعهد والامتثال للرب في سجيته، وإيقاظا لما ركب فيه من إرادة، وتهذيبا لما جبل عليه من طموح، وقصرا لما في نفسه من حسن نية على الثقة بالله وحده، وتعويدا له على طلب الخير مقرونا برضا الله. تبدأ هذه الدورة التدريبية بمعركة بين الخليفة المرتقب في الأرض، الذي قال له ربه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} فاطر 6، وبين زعيم التمرد والشر والكبر والحسد، إبليس الذي آلى أن يتخذ آدم وذريته عدوا فقال: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} الإسراء 62.

إن ميدان هذه المعركة هو الشجرة التي نهي عنها آدم وزوجه، وإن أسلوب إبليس دائما هو الوسوسة والمكر، وقد لجأ إلى هذه الأساليب بكل ما أوتي من قوة، وتجرأ على أن يقسم لهما استدراجا وخداعا، وإن نقطة الضعف في الإنسان هي الطموح السائب الأهوج، الطموح للمجد أو للخلود أو للتحول إلى مخلوق أرقى، وذلك ما لبس به الشيطان عليهما، قال تعالى: {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ} الأعراف 20/ 22، وهنا زحزحهما عن الطاعة وأزلهما عن الامتثال، ودلاهما بغرور إلى حضيض الذنب وأتون المعاصي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت