فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 523

لقد قضي الأمر وتمت التجربة، تجربة الخطيئة الأولى فراح آدم بالوزر والندم, وآب إبليس بفرح النصر الزائف الخداع، وما درى مآل الأعمال والأفعال، وغابت عنه حقائق الندم والتوبة التي نسيها فشقي وتذكرها آدم فاسترجع براءته وتبوأ مكانته، وأهبط من ميدان التجربة والتأهيل والاختبار إلى مأوى الخلافة والانتشار، وقال له ربه: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} .

إن لآدم وذريته في الأرض مهادا فيه يستقرون، ومتاعا به ينتفعون ويستلذون، ولكن لهم من أنفسهم ومن إبليس عدوا، إشارة منه تعالى إلى معركة الخير والشر والإيمان والكفر، والطاعة والعصيان، التي سوف تستعر في الحياة الدنيا {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} الملك 2.

لقد باء آدم بعد الذنب بالندم، والندم توبة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، ولعل المؤمن إذ يستشعر حال أبيه آدم وقد اشتد حزنه وتفطر قلبه ودمعت عيناه وحار لبه في البحث عن مخرج قريب وفرج رحيب، يعرف قدر الهم الذي غَشَّى روحه والغم الذي لف فؤاده وأخجل حاله، لكن رحلة العذاب هذه ما كانت رحمة الله تعالى لتكله إليها، فالغاية التجربة والإعداد، وقد تحققت بنجاح، أخطأ آدم وندم، فتاب وسلم، وهذا حصاد الدرس ونتاجه، وزاد رحلة الحياة الدنيا وعمادها. يقول تعالى مصورا حال آدم وزوجته في محنة هذه الخطيئة التي أعقبها ندم: {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} الأعراف 22/ 25، وفي رواية عن ابن عباس أن آدم لما ارتكب الخطيئة وبدت له سوأته انطلق في الجنة، فناداه ربه: يا آدم، أمِنِّي تَفِرُّ؟ قال: لا ولكني استحييتك يا رب قال: أما كان لك فيما منحتك من الجنة وأبحتك منها مَنْدوحةٌ] [1] [عما حرمت عليك. قال: بلى يا رب، ولكن وعزتك ما حسبت أن أحدًا يحلف بك كاذبًا. قال: وهو قوله عز وجل: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} .

إنه من الله تعالى عتاب البر الكريم الحليم، أشبه بعتاب الأم الحانية، على ولدها الذي ترجو له كل خير، وتخشى أن ينكسر جناحه في أول طير، لقد اجتباه الرحمن الرحيم للتوبة وهداه إلى طريقها وألقى إليه كلماتها {فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} ، وإنه من آدم وزوجه الاعتذار الحيي الخجول: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} الأعراف 23، ومن هنا كان النداء الرباني الأبدي قُلْ يَا

(1) - مندوحة أي سعة، ومنه قولهم: ليس لي عن هذا الأَمر مَنْدُوحَة ومُنْتَدَحٌ: أَي سَعَة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت