فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 523

أَتْقَاكُمْ الحجرات 133، وجعل حرمة المؤمن عنده أعظم من حرمة البيت الحرام كما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فكانت هذه القواعد الخمس أقوى ما أُقيمَ عليه المجتمع الإنساني، وأرقى ما حُفِظَتْ به الحقوق، وصِينَتْ به الكرامة، وانْتَصَفَ به الناس، وكُفَّ به التظالم، وعَمَّ به الأمن والرخاء.

لقد أمر الرب تعالى بأن يهبط آدم وزوجه ومعهما ذريتهما إلى الأرض، فقال مؤكدا حكمه الذي لارجعة فيه: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا} ، وذلك بعد تحقق التوبة والمغفرة، لِيُعْلَم أن الهبوط إلى الأرض لم يكن عقوبة على ذنب قد غُفِر، ولكنه لِوَعْد تَقدَّم وأمرٍ قد قُدِر، ثم هيأ النفوس لانتظار رأس الأمر في الدنيا وقبوله، وهو العبادة التي خلق لها الإنسان في نفسه وبيته وزوجه وذريته وماله وتعميره، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} الذاريات 56/ 57، فقال: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .

لقد طُرِد إبليس إلى الأرض مذموما يحمل حقده، وأُهبِط آدم وزوجه وذريته إليها للإعمار والاستعمار والخلافة والاختبار، ثم صدر الوعد من ربهم ببعث الرسالات والرسل والنبوات والأنبياء، بالهدى عقيدة وعبادة وشريعة، والناس في استقبال هذا الهدى وقبوله بين أمرين: اتِّباعٍ له أو إعراضٍ عنه، لهم حرية الاختيار، وعليهم تحمل نتائج هذا الاختيار.

الطريق إذن واضح وضوح الشمس، لقد ألهم اللهُ الإنسانَ فجورَه وتقواه، وهداه النجدين: نجدَ الخير حاضًّا عليه ونجدَ الشر محذِّرا منه {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} الشمس 7/ 10، {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} البلد 8/ 11، {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} الليل 5/ 10.

إن اتِّباعَ الهدى له نتائجُه ومحامدُه، أولها أمن مطلق من الخوف والحزن، لا خوف ولا حزن في القبر ولا عند البعث ولا عند الحشر ولا عند تطاير الكتب ولا عند نصب الموازين ولا عند الصراط قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} الأنبياء 101/ 103.

كذلك للإعراض عن اتِّباع الهدى المنزَّل نتائجُه وعواقبُه، وكفاه خوفا وحزنا أن مقعد صاحبه من النار معروض عليه في قبره كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَإِنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ فَإِنْ كَانَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت