مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ)، وكفاه حساب القبر وعذابه، وسوء المآل وعقابه {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} طه 123/ 124.
وإذ يُرَكِّزُ الوَحْيُ على الاتِّباع، فلأنَّ الهدى يثْبُت بإرسال الأنبياء والرسل، أما الاتباع فهو رهن بإرادة المرء وعوامل الغيب والشهود في نفسه، ولذلك نِيطَ الحسابُ باتِّباع الهدى في أحكامه الثابتة بالكتاب والسنة. إذ الأحكام محايدة وتنزيلها في واقع الحياة مسؤولية، والمرء لا تزول قدماه يوم القيامة حتى يسأل عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه.
ولئن كان عاقبةُ مُتَّبِعي الهدى أن يقولوا في الجنة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} فاطر 34/ 35، فإن عاقبة المعرضين أنهم {أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، قال تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} الزخرف 74/ 78.
بهذا القدر من سورة البقرة ننهي القسم الأول منها، وقد تضمن مشاهدَ من عالمي الغيب والشهود، وسماتٍ تميز الإيمان عن الكفر والنفاق، ونماذجَ من أهل التقوى ومآلهم، وأهل العصيان وجزائهم، ومعالم للإيمان والإحسان، لا يضل من اتبعها، ولا يشقى من تمسك بها، وآيات من الخلق والإبداع تهدي إلى الرشد وإلى صراط مستقيم.
ولئن كان الفارس المجلى في سباق هذا القسم من سورة البقرة هو آدم عليه السلام إذ طاف به الشيطان فتذكر وأبصر {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} الأعراف 201، وكان الخاسر الأكبر فيه هو إبليس إذ طغى وتجبر، فإن ما نستقبله في القسم الثاني من هذه السورة المباركة يقدم لنا نموذجين من ذرية آدم في الأرض: نموذجا من أتباع إبليس، هم بنو إسرائيل في مسيرتهم الضالة الشقية {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} البقرة 58/ 59، كما يقدم لنا نموذجا آخر من السعداء الذي استمعوا القول واتبعوا أحسنه ففازوا بالرحمة والمغفرة والرضا، وقال عنهم رب العزة: {إنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} البقرة 62.