فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 523

ولئن كانت سورة البقرة فسطاطا للقرآن، والفسطاط معناه المدينة الكبيرة، والخيمة الواسعة، فإن بهذا الفسطاط أجنحة عرضت فيها آيات الله تعالى في الخلق غيبا وشهودا، وآلاؤه كرما وجودا، ومواقف الثقلين طاعة وجحودا، وقد وَسِع هذا الفسطاط الرباني أجنحة، خصص قسمها الأول لبيانِ الصراط المستقيم الذي لا يزيغ عنه إلا ضال أو مغضوب عليه، وذكرِ مبدأ خلق آدمَ وزوجِه في الملأ الأعلى، وإعدادِهما لوظيفة الأرض تربيةً وتعليما وتجربة، وتعريفِهما بعدوهما الذي أقسم أن يُزِلَّهما ويَحْتَنِكَ ذريتَهما ويستأصلَها من ساحة الإيمان إضلالا وإغواء، وتقريرِ مبادئ الإيمان والطاعة، والندم والتوبة، وتوعيةِ المسلمين بكيد المشركين والمنافقين ومكرهم وخبث أساليبهم في محاربة ما جاء به النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم، ودعوةِ الناس جميعا إلى عبادة الله تعالى لما له من فضل الخلق والرزق والتسخير، وما يؤول إليه أمرهم في الآخرة من محاسبة وجزاء.

ولأن دين الله استخلافا في الأرض تعبيدا وتنفيذا، كان لا بد له من أمة تقوم به، وقد اختير بنو إسرائيل لهذه المهمة حكمة من الله وحسن تقدير، فقد خصص الجناح الثاني من فسطاط سورة البقرة، لعَرْضِ تجربة هذه الأمة، من يوم أسندت إليها القوامة في الأرض إلى أن انْتُزِعَتْ منها، وذِكْرِ مَنْ وَفَّى منها بعهد الله أو خان ولبَّس وكتم وحرَّف, ومَن التحق بركب الدعوة المحمدية بعد ذلك أو جحدها وعاداها وخاصمها ومكر بها.

لقد استوعب الحديثُ عن هذه التجربة الإسرائيلية أكثرَ من ثمانين آية، من الآية الأربعين في سورة البقرة بقوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} البقرة 40، واستمر إلى الآية الثالثة والعشرين بعد المائة بقوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} البقرة 122/ 123، وعَرَض فيها مخازيَ هذه الأمة بسوء طويتها، وعدوانيتها وجراءتها على الأنبياء والرسل قتلا ومحاولةَ قتل، وتحريفا للشرائع ومحاولةَ تحريف، وخيانةً للعهود والتفافا عليها للتخلص من التزاماتها، ومقابلةً لكل نعمة ربانية بالكفر والجحود، قال تعالى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} المائدة 70/ 71، وكان الخطاب الإلهي في هذا العرض بأسلوب يتناول الأمةَ الإسلامية تلميحا بلطف الإشارة ورفقها، وفحوى الخطاب ولَحْنِه، تأكيدا لما ورد به صريحُ النِّذارة وحاسِمُها قرآنا وسنة، في قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} الأنعام 153، وقوله: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} الفتح 16، وقوله: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} محمد 38، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: (لتَتَّبِعُنَّ سنن مَنْ قبلَكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ تبعتموهم) ، قيل: يا رسول الله اليهود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت