والنصارى؟، قال: (فَمَنْ؟) ، وقال محذرا من سوء العاقبة: (إن أول ما دخل النَّقْصُ على بنى إسرائيل كان الرجلُ يَلْقَى الرجلَ فيقول: يا هذا اتَّقِ اللهَ وَدَعْ ما تصنع فإنه لا يَحِلُّ لك، ثم يلقاه من الغد فلا يَمْنَعُه ذلك أن يكون أَكيلَه وشَريبَه وقَعيدَه، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، كلا والله لَتَأْمُرُنَّ بالمعروف ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر ولَتَأْخُذُنَّ على يَدَيِ الظالم ولتَأْطُرُنَّهُ على الحق أَطْرًا ولَتَقْصُرُنَّه على الحق قَصْرًا أو لَيَضْرِبَنَّ الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم) .
إن النفسية المريضةَ والجِبِلَّةَ المستعصيةَ على الهُدَى، هي ما استقبل به بنو إسرائيل أنبياءَهم عليهم السلام، إذ كذبوهم وقتلوا فريقا منهم وحاولوا قتل فريق، وهي ما واجهوا به دعوةَ ربهم إنكارا وجحودا مرة، وتحريفا وتلفيقا وقولا بغير علم مرات أخرى، ولئن كان منتظرا من يهود عصر البعثة أن يكونوا أولَ من يؤمن ويسلم، لِمَا عندهم في التوراة من أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم وخبرِ البشارةِ برسالته، فإن مواقفهم لم تستطع التحرر من طباع الاستعلاء والحسد والمكر والجحود، وغرائز الشيطنة والمراوغة والكيد الوضيع، لذلك كان من المناسب والمفيد عرضُ سيرتهم على الأمة الإسلامية الناشئة قرآنا يُتْلَى، تثبيتا لها على الحق، وتحصينا من دسائس الغدر ومحاولات توهين الصف وتمزيقه، وحماية لها من الأمراض العقدية والسلوكية التي عصفت ببني إسرائيل واستأصلتهم من ساحة الإمامة والاستخلاف.
إن الخطاب الإلهي في هذه الآيات الكريمة، تذكير للأمة الإسلامية بعواقب ما اقترفه بنو إسرائيل من خطايا وآثام، وهو في نفس الوقت نداء لطيف رحيم لمن يعاصر البعثة المحمدية من اليهود، ترغيبا لهم في التَّحَرُّرِ من تراث أحبارهم المخزي، وتناولِه بالنقد والتمحيص، واستشرافِ ما في مسيرتهم التاريخية من منارات رسل وأنبياء، أرشدتهم إلى صراط الله المستقيم، عقيدةً صافية وسلوكا طيبا رشيدا، وبَشَّرَتْهم بمن يأتي بعد نبيهم موسى، بالمسيح بن مريم ثم بمحمد بن عبد الله، عليهم وعلى جميع أنبياء الله أزكى الصلاة وأكرم السلام.
إن لكل أمة سلفا صالحا وآخر ضالا فاسدا، والعاقل من يمحص تاريخ آبائه ويميز السليم فيه من السقيم، والمنحرف فيه من المستقيم، وبنو إسرائيل كان في سلفهم الأنبياء والرسل، جاؤوهم بالحنيفية السمحة، التي هي ديانة إبراهيم قبلهم وديانة محمد صلى الله عليه وسلم بعدهم، وكان حريا بهم إذ عرض عليهم هذا الدين من جديد أن يتبعوه ويهجروا ما ورثوه من رعونات مرتزقة أحبارهم وأفاكي علمائهم.
ولئن خاطب الله تعالى يهود المدينة من ولد يعقوب عليه السلام بقوله: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} فإنما ذلك تأليف لهم وتذكير بسيرة أبيهم إسرائيل الذي هو يعقوب عليه السلام وبوصيته لذريته، وهو العبد الصالح الذي لهم أن يفخروا به ويقتدوا بهديه، وقد أوصى بنيه عند موته بلزوم محجة الإسلام توحيدا وطاعة، قال تعالى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ