فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 523

حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ البقرة 133.

لقد ورد تذكيرُهم بهذا العبد الصالح - يعقوب عليه السلام - وخطابُهم بنسبهم إليه في سورة البقرة ثلاث مرات، في هذه الآية التي بدئ بها في الترتيب المصحفي بقوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} البقرة 40، وفي قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} البقرة 47/ 48، وقوله تعالى ختاما لعرض سيرتهم: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِين وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} البقرة 122/ 123، فكان النداء الأول لهم أوامر بتصحيح النوايا والأعمال والوفاء بالعهود، والنداءان الآخران تحذيرا من سوء المصير يوم الحشر والعرض والحساب، وبذلك أقيمت الحجة عليهم، وأغلق في وجههم باب المجادلة عن أنفسهم أو الاعتذار بالجهل والغفلة وقصور النظر.

ولئن عرض القرآن الكريم علينا في القسم الأول من سورة البقرة ما آل إليه أمر إبليس إذ استكبر وعصى، فإننا في القسم الثاني نستقبل نموذجا لأولياء هذا الإبليس من قوم أسبل عليهم رداء الضلال، ونشر عليهم أجنحة الغواية والإصرار، وكان هاديهم إلى جهنم، وقال الله تعالى فيهم: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} الصافات 22/ 24.

ولأن آفة العلم النسيان، وآفة العمل الغفلة، فقد كان خطابه تعالى لهم تذكيرا بنعمه عليهم وعلى آبائهم، عسى أن يستعيدوا وعيهم ويستنهضوا هممهم للشكر والامتثال، فقال: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} .

إن النسيان آفة العلم حقا ولكن التذكير علاجه ودواؤه، لأنه استحضار لما طاله النسيان، وتنبيه لما غشيته الغفلة، ولئن ذكرهم الله تعالى في هذه الآية على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فقد ذكرهم من قبل على لسان نبيهم موسى عليه السلام، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} سوة المائدة 20، لذلك كان التذكير سنة الله تعالى في عباده، وسنة الأنبياء وورثتهم من العلماء في التربية والترشيد، قال تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} الذاريات 55، وقال: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} الأعلى 14/ 15، وقال: {وََذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ} الأنعام 70، وخاطب الأمة المحمدية بقوله: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} المائدة 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت