فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 523

ونعمه تعالى عليهم على ضربين، نعم عامة لهم ولجميع بني آدم معهم، ونعم خصهم بها ابتلاء واختبارا، أما العامة فهي مشاعة للخلق كلهم، في أجسادهم وذرياتهم وأموالهم وأحوالهم، قال تعالى: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} الإسراء 20، ومواقف الخلق منها تختلف باختلاف مشاربهم ومشاعرهم وعقولهم وشفافية أنفسهم، منهم من ترشده النعم إلى البارئ جل وعلا كحال موسى عليه السلام قبل بعثته إذ {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} القصص 17، ومنهم من تغويه النعم وتوقعه في البغي والبطر، كحال قارون: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} القصص 78،َ فكان عاقبة أمره قوله تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ} القصص 81، ومن الخلق طير يعرف النعم وحق واهبها عليه مثل الهدهد بفطرته السليمة إذ عجب من حال من يعبد غير خالق النعم وواهبها فقال لسليمان عليه السلام: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} النمل 23/ 26.

أما النعم التي خص الله تعالى بها بني إسرائيل فأكثر من أن تحصى, كاستنقاذهم من بلاء فرعون وقومه، وجعلهم أنبياء وملوكًا، وإنزال الكتب المعظمة فيهم، وتظليل الغمام عليهم، وإطعامهم المن والسلوى في التيه، وتفجير الماء لهم من الحجر وغير ذلك مما شرح في سياقات كثيرة من القرآن الكريم، ولئن كان القرآن قد أوجز هذه النعم بأبلغ عبارة بقوله: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} ، فإن هذا التفضيل لم يكن إلا بأن جعلهم بعقيدة الإسلام أئمة في الدين وورثة لملة إبراهيم، وهو ما تنكروا له وجحدوه، وكان حريا بهم أن يقتدوا في الشكر بمنارتين من أنبيائهم، داود وسليمان عليهما السلام إذ أوتيا علما {وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} النمل 15، وفي الوفاء بنبي المرحمة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه المجاهدين الأوفياء إذ فرحوا بنعمة الإيمان والإسلام على ما أصابهم من قرح {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} آل عمران 171/ 173.

لقد كان حريا بآبائهم وقد شهدوا النعم ألا يكفروا، وحريا بيهود البعثة النبوية إذ ذُكِّروا بها أن يؤمنوا ويشكروا، وليس الإيمان والشكر إلا الوفاء بالعهد الذي واثقهم به الله تعالى فقال: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} ، وعهد الله لهم ليس غريبا عنهم، إنه عهده لكل أمم الرسالة، عهده لآدم في الملأ الأعلى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} البقرة 38، وعهده لبني آدم جميعا إذ أخذهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت