فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 523

من ظهور آبائهم: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} الأعراف 172/ 173، وهو ما أوجزه القرآن الكريم بأبلغ عبارة في قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} المائدة 12، وهو أيضا ما شرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أوتي من جوامع الكلم فيما رواه البخاري عن معاذ قال: (كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ، فَقَالَ: يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ قَالَ لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا) .

إن مقتضى عهد الله تعالى وهو حقه على العباد، أن يأمر فيطاع، ويُعبَدَ فلا يُشْرَك به، ويُذَكِّرَ عباده فيَذَّكَّروا، إلا أن قسوة القلوب وجفاءها وانحطاط الهمم ودناءتها تحجب العقول عن الفهم والتذكر والأوبة إلى الحق، وما يهتدي في الحقيقة إلا التائب الصادق الذي يسمع الخطاب ويستوعب التبصرة، قال تعالى: {تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنيبٍ} ق 8، وقال: {إنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأََلْبَابِ} الزمر 9، ثم بين مقتضيات التذكر والوفاء فقال: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} الرعد 19/ 22.

لقد كان في تذكير المعاصرين للبعثة النبوية بنعم الله على الآباء، تعريض ضمني بمواقفهم العصية الجحودة التي أحلتهم دار البوار، وبما جبلوا عليه من نفعية مادية أرضية بدت واضحة في ما طلبوه من نبيهم موسى عليه السلام {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُو خَيْرٌ} . ولئن خاطب رب العزة أمة الإسلام بقوله {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُم} البقرة 152، وجعل ذكرها له متعلقا به وحده، فقد خاطب بني إسرائيل وهو يعلم سجاياهم المادية الصرفة بقوله {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} ، ثم أعقبها لما عهد فيهم من عصيان، بأشد التخويف من قدرته عليهم والترهيب من سطوة عذابه لمن يخالفون أمره فقال: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} ، وشتان من همته متعلقة بالمنعم يدعونه محبة ورهبا ورغبا، ومن غاية همه النعم والخوف من النقم. وهو خطاب يذكرهم بما فضلهم الله تعالى به على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت