فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 523

أهل زمانهم قبل أن يكفروا وينقضوا العهد، ويفسدوا ويسفكوا دماء الأنبياء والرسل والمستضعفين من الخلق، كما يحذرهم من تكرار تجربة آبائهم بالكفر والعناد والجحود.

إن معرفةَ النعم حال حصولها أو تذكرَها بعد نسيانها، كفيلةٌ لدى العقلاء الراشدين بأداء حق المنعم بها، وحقه الشكر، ولا شكر كالوفاء بالعهد الذي واثق به المرء ربه، ولئن كان عهدهم مع الله على مطلق الإيمان والطاعة ومخصوص الدين والشريعة، فإن الإشارة في هذه الآية وما تلاها بقوله تعالى: {وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} إلى نبوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من القرآن، إذ هو مقتضى العهد المذكور في السياق، وهو المطلوب من يهود المدينة المعاصرين للبعثة، وقد بشرهم الكتاب المنزل عليهم بنبي يبعث من بني إسماعيل يغفر الله لمن اتبعه ويدخله الجنة.

إن الوفاء بالعهد له مُجْمَلاتُ شروط ومُفَصَّلات، ومُجملاتُها الإيمانُ برسالة الإسلام كاملا، يقينا في القلب وإقرارا باللسان وعملا بالأركان، وهو ما طُلِبَ من بني إسرائيل المعاصرين للبعثة النبوية، أما مُفَصَّلاتها فقد توالت بعد المجملات شرحا وتوضيحا، حتى لا يعتذر أحد بغموض أو سوء فهم أو غفلة وعدم تقدير، وقد سارع الوحي إلى تقرير رأس الأمر فيها، وهو الإيمان بالقرآن العظيم ونبيه الكريم، هديةِ الله للبشرية، وبشارةِ الأنبياء والرسل، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْه} المائدة 48، وقال: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} الصف 6.

وإن مقتضى وفاء العبد أن ينال من سيده ما جعله له من حسن الجزاء، وهو قوله تعالى: {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} جوابا للأمر بالوفاء الذي وجهه الخالق عز وجل لبني إسرائيل، ومن شروط هذا المَوْثِق أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الأعراف 156/ 157.

إن عهد الإيمان بالرسل كلهم قد أُخِذ على جميع أمم الرسالة الإسلامية، وكان أوفاها به أمة المسلمين الخاتمة الوارثة، بشهادة رب العزة لها في قوله: {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} البقرة 285. أما بنو إسرائيل في تاريخهم الطويل فكانوا أسوأ نموذج للكفر وخيانة العهد، بل تجاوزوا ذلك إلى مطاردة الأنبياء وقتلهم وتحريف رسالاتهم، ولنا بمن عصوا موسى وخالفوه أول برهان، وبما فعلوه بزكرياء ويحيى خير مثال، وبما حاولوه في حق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت