فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 523

عيسى أوضح دليل، ولذلك بعد قول الله لهم: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} ، حذرهم من عاقبة خيانة العهد فقال: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} ، وهو انتقال بخطابهم من الترغيب إلى الترهيب، من الرغبة في قوله تعالى {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} إلى الرهبة والتخويف من سوء العقاب إن لم يرجعوا إلى الحق فيؤمنوا ويصدقوا القول والعمل.

كما أن الإيمان بجميع الكتب المنزلة عقيدةٌ ملزمةٌ في جميع الأديان التي ابْتُعِثَ بها الرسل، إلا أن إيمان المسلم بها بعد نزول الرسالة الخاتمة مقيدٌ بوجوب عدم العمل بها، لنسخها أولا بالقرآن، ولما نالها ثانيا من تحريف الأحبار وتغييرهم، ولذلك غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما رأى في يد عمر بن الخطاب صحيفة من التوراة وقال له: (إنَّهُ وَاللهِ لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أظْهُرِكُمْ مَا حَلَّ لَهُ إلَّا أنْ يَتَّبِعَني) ، وقال أيضا: (لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا فَإِنَّكُمْ إِمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ أَوْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي) .

ولئن كان خطاب الله تعالى إذا وُجِّهَ إلى طائفة معينة، موجها بعمومه إلى جميع من سمعه، تذكرة وتحذيرا وتربية وتنويرا، فإن الأيقاظ ممن أنعم الله عليهم بالرشد يعرفون أنه تعالى يأمرهم أيضا بما أمر به بني إسرائيل، ويقول لهم: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ولا تنسوا فضلي عليكم واشكروا لي وحدي، وفاء بالعهد الذي واثقتكم به، فمن استجاب وفيت له بما وعدته مغفرةً وإحلالا في دار المقامة، وجنةً عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، ومن أعرض كان حقا عليه أن يخاف غضبي ويذوق صابَ عذابي.

لقد كان يهود الجزيرة العربية لدى مشركي العرب في مقام العلماء بالدين وكانوا يستفتحون عليهم بقرب ظهور النبوة الخاتمة ولذلك حُذِّرُوا بقوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} ، من أن يَسُنُّوا سُنَّةَ كُفْرٍ يتبعهم فيها العامة بكتمان ما ورد في التوراة من خبر البعثة وصفات صاحبها عليه السلام، لاسيما وَوِزْرُ البادئ أعظم من وزر المقتدي، وإذا تركوا الإيمان بالقرآن مع علمهم بصحته كانوا في مقام أول من سارع إلى الكفر ولو سبقهم إليه غيرهم من المشركين ممن لا كتاب لهم، وهذا منه تعالى تبكيت قاس، وتعنيف شديد، أعقبه بتحذير آخر صريح يندد بإيثارهم الدنيا على الآخرة، وبعقليتم المادية المتاجرة، مالا ورئاسة ورُشىً على تحريف الأحكام والنصوص، فقال يحثهم على اتقاء غضبه وعذابه، واختيار الدين على المصالح الوهمية والأهواء المردية: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} ، أي لا تستبدلوا بالعقل جهلا، ولا بالحق باطلا، ولا بالإيمان كفرا، ولا بالآخرة ونعيمها حياة فانية مهما عظمت في أعينكم وازدهت في نفوسكم، فما الدنيا إلا متاع زائل، كثيرها قليل وكبيرها حقير.

إن الفرق بين اليَقِظِ والغافل أن الأول ينظر ويتأمل فيعتبر ويعلم، فإن شق عليه حصول العلم أعاد النظر وتأمل ثمار العمل ونتائجه، ومآله وعاقبته، فسهل عليه الإدراك، ورأى الحق منبلجا والباطل لجلجا، والغافلون {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت