فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 523

خَالِدُونَ المائدة 78/ 80، ولم يبق للمسلمين من ذكراها إلا العظة بتجربتها المرة، استنقاذا لإيمانهم وأنفسهم من عذاب الله، وفوزا بسعادة الدنيا والآخرة.

ولئن كان الله تعالى قد امتن على بني إسرائيل بما أحسن به إليهم من نعم لا تحصى إذ نجاهم من فرعون وما يمارسه فيهم من تعذيب لرجالهم وتذبيح لأبنائهم واستحياء لنسائهم، وإذ أهلك عدوهم أمام أعينهم في اليم بعد أن سخر لهم البحر ففرقه لمرورهم، وبوأهم الدرجة العليا ورزقهم من الطيبات {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَات} يونس 93، فإنه تعالى قد أنعم على المسلمين بأكثر من ذلك إذ أنجاهم من بطش قريش، ومكر يهود، ونصرهم في بدر بالملائكة فقتلوا بأيديهم أشد أعدائهم عليهم، وخالفوا نبيهم في أحد فعفا عنهم وأنجاهم من الهزيمة، وشد أزرهم في حنين بعد أن أعجبتهم كثرتهم فانهزموا ثم نصروا، وكسر بهم عروش القياصرة والأكاسرة، ومد ملكهم على العالمين. فلم يبق لهم إلا أن يذكروا أيضا فعل الله تعالى بهم لطفا ونعمة وفعل بني إسرائيل بأنفسهم كفرا وجحودا، فيعتصموا بالحمد والشكر والامتثال والطاعة والوفاء بعهد الله وميثاقه، {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} السجدة 22.

ولئن اختار الله تعالى بني إسرائيل أمة للرسالة والخلافة لحكمة منه وعلى علم لديه، وفضلهم على عالمي عصرهم وقال: {وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} الدخان 30/ 32، وقال: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} الجاثية 16، فإنه لكفرهم وجحودهم وقتلهم الأنبياء بغير حق قد لعنهم وعزلهم عن الرسالة والخلافة، واستخلف قوما آخرين هم أمة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، جعل بأيديهم قيادة البشرية في رحلتها الخاتمة إلى قيام الساعة، وقال فيهم: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه} آل عمران 110، وربط خيريتها بالإيمان والعمل الصالح أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، كي لا تسقط فيما سقط فيه بنو إسرائيل إذ ربطوا خيريتهم بعصبية العرق والدم، لأن التفضيل عند رب العزة لا يظهر أثره في الدنيا والآخرة إلا بالعمل، قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} التوبة 105، وكان بذلك مفهوم الخطاب الإلهي لمعاصري البعثة المحمدية من بني إسرائيل، وللمسلمين على حد سواء، أن احذروا أن يصيبكم ما أصاب عصاة يهود من لعنة واستبعاد. وهو ما بينه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنْ الْغَدِ فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ثُمَّ قَالَ: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ... } إِلَى قَوْلِهِ: {فَاسِقُونَ} ثُمَّ قَالَ:(كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيْ الظَّالِمِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا) ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت