هو والذين معه تركه مفتوحا رهوا فلم يضربه بعصاه امتثالا لأمر ربه إذ قال له: {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} الدخان 24، ولما توغل فرعون وجنوده في اليبس الذي انشق من البحر تناولهم الموج من كل جهة فكانوا من المغرقين على مرأى من بني إسرائيل، وذلك يوم عاشوراء (العاشر من شهر محرم) ، وهو يوم عيد لليهود، وقد روى البخاري في صحيحه (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْمًا، يَعْنِي عَاشُورَاءَ، فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ وَهُوَ يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ فَصَامَ مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ، فَقَالَ: أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ) .
وتنتهي هذه الآيات البينات على شدة إيجازها وقصرها وقد حوت من واضح المعاني والمرامي وخفي الإشارات والعبارات، ما خوطبت به ثلاث أمم، أولها أمة الرسالة الموسوية إذ تنكرت لعهدها وميثاقها فأهلكها بغيها وتمردها، ثم أمة بني إسرائيل المعاصرين للبعثة النبوية، وأمة الإسلام من مبدأ البعثة إلى يوم الدين تعريضا بمآل الأعمال، ونتائج التهاون بأمر الدين والإهمال.
والتعريض لغة هو ذكر شيء يفهم منه شيء آخر، بحيث يكون للكلام وجهان ظاهر وباطن، يقصد قائله الباطن ويظهر إرادة الظاهر، وهو أسلوب قرآني في التربية والتوجيه، فيه من لطف العبارة ولين الإشارة ما يشفي الصدور المؤمنة، ويطهر القلوب السليمة ويرفع همم النفوس العالية، وينير الطريق لمن يلقي السمع وهو شهيد، ولما كان الغالب على قلوب بني إسرائيل القسوة والمماحكة فقد كرر القرآن الكريم نداءه لهم في هذه الآيات الكريمة يذكرهم بنعم الله عليهم وتفضيله إياهم، في تعريض غير خفي بكفران سلفهم بالنعم التي أغدقت عليهم والإحسان الذي عوملوا به، وهو تقريع واضح وتهديد بسوء المصير لمن أصر على مسيرة الكفر والجحود فقال تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} .
ولئن خوطب بنو إسرائيل المعاصرون للبعثة النبوية بهذه الآيات تذكيرا لهم بنعمة وتفضيل خص بهما أسلافهم ممن بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار، فإن في الآية أيضا تعريضا بالمسلمين وتهديدا بنفس المصير إن هم ساروا سيرة بني إسرائيل، فبدلوا تبديلهم وغيروا تغييرهم، وكذبوا على ربهم، وآذوا نبيهم، وهو صريح قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} الحشر 19، وقوله: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} التوبة 61، وقوله: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} البقرة 108.
لقد أفضت الأجيال الفاسدة من بني إسرائيل بما لعنت به إلى ما قدمت لنفسها لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ