الأصل في النفوس السوية مهما قست، أن تقابل بليغ إحسان الرب إليها بفيض من الثقة والمحبة والطاعة والخشية، فما مثل كلام الله تأثيرا، وما مثله تذكيرا {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّه} الحشر 21، ولكنها قلوب بني إسرائيل المستعصية عن الصلاح والإصلاح، ونفوسهم المشوهة بذل السخرة والاستعطاء، لا ترعوي عن السفاسف ولا ترتدع، ولا تسمو للمعالي ولا ترتفع، ولا تلين لذكر الله ولا تخشع، لذلك خاطبهم رب العزة بقوله {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} البقرة 74،
لقد عاش بنو إسرائيل بعد يعقوب ويوسف عليهما السلام في مصر دهرا طويلا، وبَعُدَ عهدُهم بعزة العقيدة واستعلائها، لما عانوه من محن وذلة ومسكنة تحت سطوة الفراعنة وجبروتهم، فضعفت نفوسهم، وخارت عزائمهم، ولم يبق من الإيمان في قلوبهم إلا رسمه، ومن الدين إلا رقمه، ومن الرجولة إلا ذكورتها، وعندما أُرْسِل إليهم موسى عليه السلام وجد فيهم تعلقا بالدنيا شديدا، وحرصا على الحياة ذليلا، وأخلاقا مسخها طغيان الفرعون، و ألفى لديهم قلوبا جوفاء فارغة، وعقولا غبية بليدة، تكرست فيها طباع الرق والخزي، استخذاءً تحت السوط، وتمردا في غيابه، وبَطَرًا في حال النعمة والمقدرة، فلم يؤمر باستنهاض هممهم لمقاومة ضلال الفرعون وفساده، وإنما أُمِرَ مع أخيه هارون بأن يطلب استلامَهم من فرعون كما تُسْتَلَمُ البضاعة أو الرقيق، قال تعالى: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} الشعراء 16/ 17. ولقد لازمهم ما جُبِلوا عليه من ضعف الإيمان، وخور الإرادة، طيلة تجربتهم الاستخلافية، وطَبَعَ مسيرتَهم بالغش والخداع والجبن، وربط نفوسهم بالأهواء، وأضعف ثقتهم بالرسل والأنبياء، وجرَّأهم على الله تعالى وعلى خيانة عهوده ومواثيقه، فأدت بهم هذه الطباع إلى ارتكاب أعظم الخطايا والآثام.
عندما أُمِروا بالخروج مع موسى لم ينسوا طبعهم اللئيم وتعلقهم بفتنة المال والذهب، فاستعاروا حُلِيَّ الأُسَرِ القبطية الفرعونية وذهبوا بها، ولم يصُدَّهم عن هذا التصرف الدَّنِيء دينٌ أو مروءة أو تَمَيُّزٌ عن الظلم والظالمين، فكانت من أسباب فتنتهم كما يأتي لاحقا.
وعندما حاول موسى عليه السلام رفعَ عزائمهم وتقويةَ نفوسهم بقوله لهم إذ خافوا أن يدركم فرعون وجنوده: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} الأعراف 128، لم يكن ردُّهم إلا التذمر والشكوى والتبرم بِصَلَف ومكابرة، لِمَا غاب عنهم من حقائق اليقين والإيمان، وما ران على قلوبهم من رجس الجبن والعصيان، فلم يروا مِن عِزِّ الاستخلاف ورسالةِ الإسلام إلا بلايا حلَّتْ بهم قبل موسى ثم تجددت بقدومه ونزول رسالته: {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} الأعراف 129، فأجابهم موسى متغاضيا عن