فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 523

وقاحتهم ومستمرا في تهدئتهم وتنمية ثقتهم بربهم: {قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} الأعراف 129.

وعندما أنجاهم الله إلى الضفة الشرقية من البحر في سيناء، وجدوا قوما يعبدون الأوثان فتاقَتْ إلى عبادة الأصنام نفوسُهم لما وقر فيها من تأثر بالمجتمع الفرعوني الوثني الذي ألفوه، فنهرهم موسى وصَدَّهُم عن الضلالة: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 138/ 139.

لقد كان إيمانهم هشا سريعَ الكسْر والعطب على مدى مسيرتهم الاستخلافية، لذلك بعد خروجهم من مصر كانوا أسرعَ إلى الفتنة والشرك الصريح، بمجرد ذهاب نبيهم لميقات ربه واستخلاف هارون عليهم.

إن أي دعوة دينية أو فكرية مهما كان محتواها، إذا حملها الموقنون بها لا يسرع إليها التحريف والفساد إلا بعد أمد كاف تُنْسَى فيه أو يُتَنَكَّرُ لها، ولكن قوم موسى عبدوا عجل الذهب قبل مرور مجرد أربعين ليلة من غيابه، وهو رقم قياسي في الإسراع إلى الضلال، لم نجد له مثيلا في تاريخ الأمم والشعوب.

هذا الحال العجيب هو ما يُذَكِّر الله به خَلَفَهم المعاصرين للبعثة المحمدية كي يتعظوا، ويضرب به المثلَ للمسلمين في كل عصر كي يعتبروا، ذلك أن بني إسرائيل لَمَّا دخلوا سيناء لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليهما، فوعد الله موسى أن يُنَزِّل عليه التوراة، ودعاه لميقات معلوم، فقال موسى لقومه: إني ذاهب لميقات ربكم آتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون وما تذرون، وهو ما فصله القرآن الكريم في سياقاتِ كثيرٍ من سوره. فقال في سورة البقرة: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُون} ، وقال في سورة الأعراف 142: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} .

وليس من الضروري أن تكون المواعدة بين طرفين، كما يفهم من ظاهر قوله تعالى: {وَاعَدْنَا} ، إذ قد تكون من طرف واحد كما في هذه الآية، كقولك سافر، وعالج، وعافاك الله، وقاتله الله، وعاقبت المذنب، لأنها وعد لموسى وأمر له بأن ينقطع لمناجاة ربه صوما ونسكا وتحنثا وعبادة، تمهيدا لتلقي كلامه وشريعته، لذلك قرأها أهل البصرة: {وَعَدْنَا} من الوعد.

كان مقدرا لغياب موسى عن قومه ألا يتجاوز أربعين ليلة كما ورد في القرآن الكريم، ومع ذلك خشي الفتنة على قومه لِمَا يعلم من هشاشة إيمانهم ونَزَق تصرفاتهم، وعدم سلامة صفهم من المفسدين، فاستخلف عليهم نبيا آخر هو أخوه هارون {وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} الأعراف 142، ثم لما رجع إلى قومه بالتوراة وجدهم استضعفوا خليفته هارون وعبدوا العجل وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت