فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 523

الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحمِين الأعراف 151.

لم يخرج بنو إسرائيل عن طبعهم وما جبلوا عليه، فعلى خلاف النفوس الأبية الواثقة بربها، المستعلية بإيمانها ومبادئها وقيمها، والهمم العالية التي تأنف الضيم وتبغض الظالمين وما ينسب لهم وما يُذَكِّر بهم، أسرع إليهم الفساد فأضلهم السامري وصنعوا بإشرافه وتوجيهه من حلي آل فرعون التي استعاروها واحتفظوا بها، عجلا ذهبيا عبدوه بُعَيْد غياب نبيهم، قال تعالى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} الأعراف 148، وهو ما أوحى الله به إلى موسى في الميقات: {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} طه 85.

وعلى خلاف بين المفسرين والمؤرخين حول حقيقة السامري، وهل هو من قوم موسى، أو من القبط الذين اتبعوهم، أو من الكنعانيين، مما لا تفيد معرفته ولا يضر الجهل به، فإن الراجح أنهم اتخذوا العجل تشبهًا بالكنعانيين سكانِ الشام وفلسطين، وقد كانوا يعبدون الأوثان، وكان العجل مقدسًا عندهم يسمونه بَعْلا، ويمثل أعظم آلهتهم، يصنعونه على صورة إنسان من نحاس له رأس عجل، وقد مر بهم بنو إسرائيل عقِب تجاوزهم البحر فقالوا لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ} الأعراف 138، فوبخهم موسى وانتهرهم، ثم لما غاب لميقات ربه، وظنوا أنه قد هلك ولن يعود، استضعفوا هارون خليفته، وعبدوا العجل الذي اشتاقت نفوسهم لعبادته من قبل.

لا شك أن عبادة العجل شرك أكبر صريح واضح لا شبهة فيه، صادف هوى في أنفسهم فارتكسوا فيه عقب ذهاب نبيهم للقاء ربه مباشرة، وليس بعد الشرك معصية تضاهيه أو تتجاوزه {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} لقمان 13، لذلك وصمهم الله تعالى بالظلم في قوله: {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} ، ومع ذلك بادرهم تعالى بالعفو استدراجا لهم إلى التوبة والشكر إذ علم من بعضهم ندما وشعورا بالإثم وتساؤلا عن طريق لتجاوز ما ارتكسوا فيه، فقال: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، إلا أن العفو غير المغفرة، لأن العفو رفع للعقوبة دون رفع ذكر الذنب والتذكير به، أما المغفرة فهي محو الذنب مطلقا ورفع عقوبته، ولأن من الذنوب المغتفرة أحيانا ما تبدل فيها السيئات حسنات، ولذلك كان التعبير بلفظ العفو ترقبا لتكرار المخالفة كما هي طبيعة بني إسرائيل.

ثم عاد القرآن للتذكير بنعمة أخرى عليهم بعد نعمة العفو عن أعظم الظلم الذي ارتكبوه وهو الشرك الصريح، فقال: {وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} ، والكتاب في هذه الآية الكريمة هو التوراة موصوفا بالفرقان، لكونه جامعا بين كونه كتابًا منزلًا، وكونه فرقانًا يفرق بين الحق والباطل، وليكون حالُ المخاطبين به حالَ مَنْ تُرْجَى هدايَتُهم {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} ، فيغلب حلمُهم جهلَهم، وعقلُهم شهوتَهم، وشكرُهم جحودَهم، ونحوه قوله تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} الأنبياء 48، يعني التوراة الجامع بين كونه الفرقان والضياء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت