والذكر. وهو ما أوحى به الله تعالى إلى موسى عندما ذهب لمناجاته في جبل الطور، كما ورد في القرآن الكريم {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِين وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} الأعراف 143/ 145.
لقد تفرق بنو إسرائيل من بعد موسى في غيبته فريقين، فريق ثبت على دينه مع هارون في استضعاف، وفريق عبد العجل، وتساءل بعضهم عن التوبة بعد عودة نبيهم وقد عرفوا أنهم ضلوا، فقال لهم موسى وقد أُوحِيَ إليه شرطُ قبولِ توبتهم: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} .
إنه شرط قاس، ولكنه في مستوى الشرك الأكبر الصريح الذي ارْتُكِب، فلا بد أن يتطهر الصف المسلم من المفسدين، وينتصر الصادقون فيه لربهم، ويرتدع من في قلبه مرض، إنه القتل، أن يقتل الصالحُ فيهم المفسدَ، وهو ما تم إذ نهض مؤمنو الصف المسلم للتخلص من المفسدين، وقد تهاونوا من قبل في أمر انحرافهم وسكتوا عنه، ولا ظلم يوازي الشرك إلا مهادنته والركون إليه، حينئذ تاب الله عليهم وغفر ذنب سكوتهم وركونهم إلى السلامة والاستضعاف في غيبة نبيهم.
ولئن ظن البعض أن هذا الشرط قاس ومؤلم، فإنما ذلك منهم عدم فهم لطبيعة الصراع بين الحق والباطل في الدين الذي نزل على أنبياء الله منذ عهد إبراهيم عليه السلام، إذ من تعاليم هذا الدين الأبدية أن لا تنبت فسيلة الخير بجانب الأعشاب الضارة إلا هزيلة هشة متهالكة، وعلاجها أن تُستأصَل طفلياتُ الأعشاب لِتنموَ بذور الخير والأمن والعدل والإيمان في القلوب والمجتمع رخية رطبة، وفي القرآن الكريم إشارات وتصريحات وتشريعات لهذا المبدأ لا تكاد تحصى، وفي الحديث النبوي مثل ذلك، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إن السيف محاء للخطايا) .
ويستمر القرآن الكريم في التذكير بأنعم الله تعالى على بني إسرائيل، كلما تعثرت مسيرتهم الإيمانية فنجوا من ورطة جهل وغباء، ليرتكسوا في أخرى أكبر منها أو توازيها، نشأت بعد عقاب على سوء طبع وجفاء.
ذلك أن موسى اختار لميقات ربه سبعين رجلا، هم المعبر عنهم في التوراة بالكهنة وشيوخ بني إسرائيل، قال تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} ، فسأله بنو إسرائيل كلهم، أو السبعون من شيوخهم - على خلاف بين المفسرين- أن يروا الله تعالى جهرة كي يؤمنوا له ويصدقوه، سألوا ذلك وموسى كليم الله نفسه لم يستطيع رؤيته كما قرر القرآن ذلك