في قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} الأعراف 143.
لقد أخذت الصاعقة بني إسرائيل لكفرهم وعجرفتهم وعدم اكتراثهم بما أوتوا من النعم، وما شاهدوه من المعجزات، حتى اشترطوا أن يروا الله جهرة كي يصدقوا موسى ويؤمنوا برسالته قال تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، وكانت هذه الصاعقة لهم عقوبة دنيوية ماتوا بها قليلا ثم أحياهم الله، أما محل النعمة فيما وقع لهم فقوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، عبر عنه بإيجازٍ بديع ووصفٍ دقيق لمعجزة إلهية خارقة، امتن الله بها على بني إسرائيل مرة أخرى، استدراجا لهم إلى الشكر وتثبيتا لهم على الإيمان.
لقد رأى بنو إسرائيل في هذه الحادثة الموتَ بأعينهم، وشاهدوا إحياءَ الله تعالى الأمواتَ في أنفسهم، كما رأوا ذلك مرات أخرى في مسيرتهم مع العقيدة التي أنزلت لهم، مما أوردت سورة البقرة أربعة نماذج منه شهدها بنو إسرائيل ولم تَطْهُرْ بها قلوبُهم ولم يَصْفُ بها إيمانُهم:
من ذلك الموتُ بالصاعقة في هذه الآية الكريمة.
ومن ذلك قتلُهم نفسا فأحياها الله في قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} البقرة 72/ 73.
ومن ذلك إماتةُ ألوفٍ منهم خافوا الموت شكًّا منهم في الآجال المُقَدَّرة، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} البقرة 243.
ومن ذلك إماتةُ رجلٍ منهم مائةَ عام ثم بعثه كما قال تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} البقرة 259.
كل هذه الخوارق المعجزة الدالة على قدرة الله تعالى شاهدها بنو إسرائيل، فلم تَجْتَثَّ العجلَ من قلوبهم، ولا الشكَّ والريبَ والعصيانَ من نفوسهم، وواصلوا مسيرةَ الانحرافِ وكتمانِ الحق، وتحريفِ الشرائع، وقتلِ الأنبياء، والتقاعسِ عن الجهاد ... على رغم ما مَنَّ الله به عليهم، إنقاذا من بطش فرعون وجبروته، ومشاهدةً لآلائه، خوارقَ طبيعة ومعجزات خلْقٍ، وقبولَ توبةٍ مرةً تلوَ أخرى.