فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 523

ثم تُتَوَّجُ هذه الآياتُ الكريمة بذكر نعمة أخرى هي إنقاذهم في التيه من الهلاك، بتظليل الغمام لهم من حرارة الشمس، وإنقاذهم من الجوع بإنزال المن والسلوى عليهم، وإتاحة الطيبات من الرزق لهم مأكلا ومشربا فقال تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ، وزاد التفصيل أكثر في سورة الأعراف 162 فقال: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُم} ، ثم أضاف بالتفات بليغ موجز، وتلميح عقدي رصين، تعقيبا على كفرهم المتوالي وجحودهم المسترسل، وتقريعا شديدا واضحا لاستعصاء نفوسهم عن الصلاح، وارتكاسها الدائم في الضلال بقوله: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} ، إشارة إلى حقيقة إيمانية راسخة هي أن الله عز وجل لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية، وأنه غني عن العالمين، وأن أكبر ظلم للنفس وأخطره هو الشرك الأكبر خفيا وظاهرا، قال تعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} الأنعام 82، والرسول صلى الله عليه وسلم عندما سأله الصحابة رضي الله عنهم عن هذه الآية فقالوا: وأينا يا رسول الله لم يلبس إيمانه بظلم؟، قال لهم: (ذلك الشرك، ألم تسمعوا قول العبد الصالح: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ) .

إن أخطر داء فتك بإيمان بني إسرائيل وأفرغ قلوبهم من الثقة بأنبياء الله وما نزل عليهم من الوحي، وبما أُخْبِروا به من أمر الآخرة والبعث والنشور، هو تعَلُّقُم بالدنيا وحرصُهم على الحياة {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} البقرة 96، ولا شيءَ يُركِس الإنسان في حضيض الكفر والشرك إلا الشك في الآخرة وحسابها تعذيبا أو تنعيما، ولا شيء يرفع المرء عن حضيض البهائمية إلا الإيمان الصادق بالله واليوم الآخر.

لذلك توالى في القرآن الكريم والسنة المطهرة تحذير المسلمين من الركونِ إلى الدنيا والحرصِ على ما زُيِّنَ فيها من ذهب وفضة وأموال ومتع، حمايةً لهم مما يستتبع ذلك من ضعف في الإيمان، وركون إلى ضَعَةِ الحرص وذلة عبودية الدرهم والدينار، قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} الحديد 20، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} التوبة 38، وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم: (وَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ) ، وقال فيما أخبر به من الغيب ورواه مسلم والبخاري واللفظ لمسلم: (يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ فَإِذَا سَمِعَ بِهِ النَّاسُ سَارُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت