فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 523

رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود الفتح 29، فإنه يواصل في سورة البقرة تقديم نماذج من تصرفات الصنف الثاني، وقد حاز بنو إسرائيل عبر أجيالهم قصب السبق في مضماره، وباؤوا على تعاقب حقبهم بأوخم ضروب الهوان والخزي في مساره، فيقول: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} .

إلا أن هذا الجِيل الذي أشارت الآية الكريمة إليه، لم يكن جِيل أصحاب موسى الذين تجاوزوا البحر إلى سيناء، وإنما هو من جاء بعدهم وخلفهم في السعي إلى الأرض المقدسة، وكان على رأسه نبي الله يوشع، في إشارة واضحة منه تعالى إلى أن طبيعة بني إسرائيل تفلتا وعصيانا وشقاوة راسخة، لا تتبدل أو تتغير، طبيعة غير قابلة للتطور والتحسن، في عهد موسى وما بعده، وفي عهد البعثة النبوية وما بعدها.

ذلك أن الأمر بدخول الأرض المقدسة وجه إلى بني إسرائيل مرتين، أولاهما في حياة نبيهم موسى عليه السلام، بعد نجاتهم من فرعون، إلى سيناء، كما قال تعالى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} المائدة،21، وهو أمر لهم بالجهاد مقرونا بوعد بالنصر في آن واحد، والأصل في الأوامر الإلهية الوجوب، إلا أنهم جبنوا ونكلوا عن القتال،: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} المائدة 22، ثم لما اشتد الإلحاح عليهم في أن يدخلوا الأرض المقدسة فاتحين واثقين بنصر الله متوكلين عليه، وخاطبهم رجلان منهم يخافان الله أمراهم بقتال الجبارين: {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} المائدة 23، ازداد بنو إسرائيل صلفا ووقاحة ومكابرة وعتوا وقالوا: {يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} 24. فجمعوا بهذه التصرفات الرعناء بين عصيان أمر الجهاد، ورفض دخول الأرض المقدسة، وإساءة الأدب صفاقةَ وجهٍ ووقاحةَ خطاب وسخريةَ ردود على أوامر الله تعالى وتوجيهات نبيه الكريم، مما اقتضى معاقبتهم بالتيه أربعين سنة. توفي فيها موسى وهارون عليهما السلام، ولم يبق من بني إسرائيل إلا ذرية نشأت بعيدة عن حياة الذل والمسكنة التي عرفها الآباء في عهد فرعون.

أما الأمر الثاني الذي وجه إلى بني إسرائيل بدخول القرية، وهو أيضا للوجوب لأنه مقرون بعبادة هي السجودُ - أي الركوع والخشوع والتواضع - وطلبُ المغفرة وحطِّ الذنوب من الرب تعالى {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} ، فقد كان على أرجح الأقوال بعد انقضاء أربعينية التيه، وفتح الأرض المقدسة لهم بقيادة النبي الذي استخلف عليهم عقب وفاة موسى وهارون عليهما السلام، وهو يوشع عليه السلام، إذ خاطبهم بقول الله لهم: وَإِذْ قُلْنَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت