فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 523

ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ.

ولئن كانت الأوامر الإلهية في العهد الموسوي ثلاثة، أمرا بالجهاد وأمرا بالدخول وأمرا بالثبات وعدم الارتداد أو التولي عن الزحف، وكانت عاقبة النكول والعصيان تيها وشتات أمر في الصحراء، فإن الله تعالى في المرة الثانية وقد فتح لهم، علق دخولهم بشرطين يسيرين لا تعب فيهما ولا مشقة، أن يدخلوا متواضعين خاشعين {سُجَّدًا} شكرًا لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر والإنقاذ من التيه والضلال، وإنجاز الوعد الذي أعطاه لآبائهم بدخول الأرض المقدسة، وأن يستغفروا لذنوبهم حطا لها وتطهرا منها، فيفوزوا بالمغفرة ويفوز محسنوهم بأكثر منها.

إلا أن همم بني إسرائيل قَصُرَت حتى عن الوفاء بهذين الشرطين، ودعتهم طبيعتهم الهازلة الهابطة إلى أن يبدل سفهاؤهم قولا غير الذي أمروا به وهو الاستغفار، وعملا غير الذي طلب منهم وهو دخول التواضع والخشوع والتذلل والخضوع، فأنزل الله تعالى على المستهزئين منهم والظالمين بما فسقوا عن الطاعة، واستكبروا عن السجود والاستغفار، رجزا من السماء، والرجز غضب الله وعذابه، قال ابن عباس: (كل شيء في كتاب الله من الرجز يعني به العذاب) ، وروى مالك في الموطأ أن أسامة بن زيد رضي الله عنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ) ، قال تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} . وقال أيضا: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ} الأعراف 161/ 162.

ولئن اختلف المؤرخون والمفسرون في تحديد الأرض التي أمروا بدخولها مجاهدين، والقرية التي فتحت لهم وجعلت تحت تصرفهم وأبيحت لهم سكنا وخيرات، فقيل هي بيت المقدس، وقيل هي الشام وفلسطين، وقيل أريحا، واشتط بعضهم فقال هي مصر، فإن التحديد في هذا الأمر بالقول إنها أرض دون أرض وقرية دون قرية، لا يدرك إلا بالخبر الصحيح، ولا خبر لدينا بذلك، إنما هو حدس المفسرين وتخمينهم وما ورد ضعيفا أو من الإسرائيليات، غير أن المجمع عليه أن الأرض المقدسة التي وعدها الله بني إسرائيل داخل أرض كنعان ومركزها بيت المقدس، وما الأمر بدخول"القرية"إلا أمرا بدخول ما حولها أيضا، من قبيل ذكر البعض وإرادة الكل. فيكون المراد واحدا بالقرية في قوله تعالى في سورة البقرة {ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} بعد وفاة موسى وهارون وفتح بيت المقدس، وبالأرض المقدسة في قوله في سورة المائدة {ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} في حياة موسى وهارون قبيل التيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت