فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 523

وإذ يُذَكِّر الله تعالى بهذه الآيات الكريمة بني إسرائيل المعاصرين للبعثة النبوية ومعهم كافة المسلمين في كل عصر بانحرافات جيلين إسرائيليين، من كان مع موسى ومن كان مع يوشع، فإنما ذلك تحذير من عاقبة كفران النعمة الإلهية وجحود الإحسان الرباني، وعدم التأدب مع الأنبياء والرسل، والجراءة والوقاحة في مخاطبة رب العزة تعالى.

ولئن أُمِر بنو إسرائيل بالخضوع فتمردوا، وبالاستغفار فأصروا، وبالشكر فجحدوا، وبالخشوع والإخبات فوَقُحُوا وسخروا واستهزؤوا وتجرؤوا على القبائح فلم يبالوا بها، فإن محمدا صلى الله عليه وأصحابه، قد استوعبوا تجربة بني إسرائيل، وسلكوا غير نهجهم وتخلقوا بغير أخلاقهم فاستحقوا الخلافة في الأرض إلى أن يرثها الله ومن عليها. وقد كان صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة داخلا إليها من الثنية العليا، وإنَّه لخاضع لربه حتى إن عُثْنونه ليمس مَوْرِك رحله، يشكر الله على ذلك. فلما دخل البلد ضُحىً اغتسل وصلى ثماني ركعات كما روى البخاري ومسلم ومالك وأصحاب السنن، فقال بعضهم: هذه صلاة الضحى، وقال آخرون: بل هي صلاة الفتح، وقد ورد في القصة ما يدل على أنها بسبب الفتح شكرا لله عليه، لأن أم هانئ قالت:"ما رأيته صلاها قبلها ولا بعدها"، فاستحبوا للإمام ولأمير الجيش إذا فتح بلدًا أن يصلي فيه ثماني ركعات عند أول دخوله، كما فعل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما دخل إيوان كسرى وصلى فيه ثماني ركعات.

ولئن اتسم سلوك بني إسرائيل على مر التاريخ بعصيان أنبيائهم وخذلانهم والتخلي عنهم في ساعات العسرة حتى قالوا لنبيهم: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} المائدة 24، فإن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أشد وفاء لنبيهم وأعز نصرة وفداء، فعن أبي سعيد الخدري، قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان من آخر الليل، أجَزْنا في ثنية يقال لها"ذات الحنظل"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما مثل هذه الثنية الليلة إلا كمثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل: {ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} ) ، فلما نزل"الغميم"خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد فإن قريشا قد جمعت لكم أحابيشها تطعمها الخزير، يريدون أن يصدونا عن البيت، فأشيروا علي بما ترون؟ أن تعمدوا إلى الرأس - يعني أهل مكة -، أم ترون أن تعمدوا إلى الذين أعانوهم فتخالفوهم إلى نسائهم وصبيانهم، فإن جلسوا جلسوا موتورين مهزومين، وإن طلبونا طلبونا طلبا متداريا ضعيفا، فأخزاهم الله) ، فقال أبو بكر: يا رسول الله! أن تعمد إلى الرأس فإن الله معينك وإن الله ناصرك وإن الله مظهرك، وقال المقداد بن الأسود وهو في رحله: إنا والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} المائدة 24، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون.

وبعد أن عرَّج القرآن الكريم على نموذج من تصرفات الجيل الثاني بعد موسى، ليوضح أن الكفر والعصيان راسخ في الطبيعة اليهودية جيلا بعد جيل، رجع بنا إلى الجيل المؤسس لمثل هذا السلوك، جيل التيه الذي كان مع موسى عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت