فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 523

السلام، ليُذَكِّر معاصري البعثة النبوية ومن بعدهم، بما أنعم الله به على الأسلاف، وما قابل به الأسلاف نعم الله عليهم من ظلم وجحود, فقال: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِين} وهو نظير قوله تعالى في المرحلة المكية من الدعوة في الآية 160 من سورة الأعراف: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} .

أي أن الحق عز وجل يقول: اذكروا إذ اشتد العطش بآبائكم في التيه، فسألوا موسى أن يستقي لهم فقال له الله عزوجل: {اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ} فانفجر الحجر عن اثني عشر منبعا للماء (عينا) بعدد أسباط بني إسرائيل، لكل سبط منهم مشرب معلوم {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} ، وهذا منه تعالى تذكير بأربع نعم في أمر واحد، الإنقاذ بالري من الهلاك عطشا، وكون السقي وقع في مظنة عدم وجود الماء كرامة لنبيهم وإظهارا لقدرة ربهم، وكون العيون ثنتي عشرة ليستقل كل سبط بمشربه فيرتفع التنازع والتدافع من بينهم. وكون الماء سيق لهم من غير سعي منهم ولا كد ولا تعب.

ثم عقب عز وجل على هذه النعم المتاحة لبني إسرائيل بقوله: {كُلُوا} من طيبات المن والسلوى، {وَاشْرَبُوا} من الماء الذي أخرج لكم من الحجر، {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} ، والعُثُوّ لغةً أشدُّ الفساد، من فِعْل"عَثا يعثو، وعَثِيَ يعثَى، وعَثَى يعثِي"، كل ذلك معناه أفسد أشد الإفساد، أي لا تطغوا بهذه النعم فتفتنكم عن دينكم وتستدرجكم إلى البطر والظلم والمعاصي والآثام، قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا} القصص 58، وقال: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَأَىَهُ اسْتَغْنَى} العلق 6/ 7. وَوَجْهُ المَنِّ عليهم في هذه النصيحة تذكيرُهم رحمة منه تعالى ولطفا، بأن النعمة قد تنسي المرء حاجته إلى ربه فيخلع ربقة الشرائع في سياسته أمْرَ نفسه وأمْرَ علاقاته فيكون الفساد والإفساد.

لقد استسقى لهم نبيهم وقد أشرفوا على الهلاك عطشا، فدعا ربه متوسلا خاشعا متضرعا، واستجاب تعالى الدعاء فأمدهم بحاجتهم إلى الماء، وهذه نعمة كفيلة بتثبيت قلوبهم على الإيمان، وتقوية معرفتهم بقدرته تعالى ورعايته للخلق، ولئن كانت النفوس السوية أسرع إلى المبادرة بالحمد والشكر والاعتراف بالإحسان والفضل، والنعم لا تدوم إلا بالشكر، فإن بني إسرائيل كانوا على عكس قاعدة السواء وأصل الفطرة، أسرع إلى استصغار نعمة الله واحتقارها والتضجر منها، إذ بمجرد زوال عطشهم وجوعهم عادوا إلى ما نهوا عنه كفرا وجحودا وسوء أدب مع نبيهم وربهم، قال تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت