فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 523

لقد كانوا بموقفهم هذا في منتهى الصفاقة والوقاحة وسوء الأدب، فهم لم يكتفوا باستصغار نعمة الله واحتقارها وقد جاءتهم طيبة بدون تعب أو مشقة، أو باعتبارها طعاما واحدا وهي ثلاثة قابلة للتعدد والتنوع إن تدخلت يد الإنسان بضروب الطهي والإعداد، المَنّ والسلوى والماء النمير، بل أضافوا إلى ذلك التهديدَ بأنهم لن يصبروا على هذا الطعام مستقبلا، مفضلين عليه البقل والثوم والقثاء والعدس والبصل، مَنًّا ودلالًا على موسى بالإيمان والاتباع والتصديق، في تعريض واضح باحتمال ارتدادهم عنه ومفارقتهم إياه إن لم يحقق رغبتهم ويُلَبِّ طلبهم. وبلغوا أقصى درجات سوء الأدب والجراءة عندما خاطبوا نبي الله بقولهم {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ} ، كأنما موسى مجرد مولى من مواليهم، وكأن الله تعالى رب له وحده وليس ربا لهم وللعالمين. مما يكشف بوضوح طوية أنفسهم ومكنون قلوبهم ومدى هشاشة إيمانهم.

لقد بلغوا في الجحود أبعد المدى، إذ بدلوا نعمة الله كفرا، وأحلوا أنفسهم دار البوار، وباؤوا بغضب الله، واستووا مع البهائم إذ استبدلوا ما تنبت الأرض من بقول وقثاء وفول وعدس وثوم وبصل بالخير الدائم الذي لا يزول، تمكينا وعزا ورفعة في الدنيا، ونعيما دائما في الآخرة، لذلك كان جواب موسى لهم بما أوحى إليه ربه عز وجل: {قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى} أخس وأردأ {بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} أشرف وأفضل وأدوم، {اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} ، وقد ورد لفظ"مصرًا"منونا ومصروفا، وهو قراءة الجمهور، للدلالة على أنه لا يعني القطر المصري، وإنما كل بلدة ذات خيرات، والمعنى أن موسى قال لهم: إن ما سألتموه موجود في أي مصرٍ من الأمصار، ليس عزيزا أو نادرا، ولا يساوي في دناءته أن أسأل الله تعالى فيه، ومن الغباء والجهل والشقاوة أن تستبدلوه بخيري الدنيا والآخرة.

لا جرم إذ لم يشكر بنو إسرائيل النعمة ولم يقدروها حق قدرها أن تُنْتَزَع منهم ويُسْلَبوها، ويُعَوَّضوا عنها بضد ما وُعِدوا به، وهو الذلة مقابل العز، والمسكنة مقابل النصر والتمكين، وسخطُ الله وبغضُه بدل الرضى والمحبة والولاء، إذ كل من لم يشكر نعمة الله جدير بأن يُسلَبها، قال تعالى: {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} سبأ 16/ 17، ولذلك أنزل بهم الله تعالى جزاء كفرانهم وجحودهم نقمته وغضبه فقال: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} . أي فرض عليهم الذل والصغار، ثم عقب على ذلك بذكر الأسباب موجزة ومختصرة بأبلغ عبارة وأوضح بيان فقال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} .

ولئن كان جحود آيات الله كفر صريح بالله ورسله واليوم الآخر، فإن قتلهم الأنبياء وهم أصفياء الله ورسله إلى الخلق ومبلغو رسالاته (زكرياء وأشعياء ويحيى وغيرهم) ، إعلان له بالمحاربة وتجاوز لكل الحدود، قال تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت