فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 523

يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ المائدة 33، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} المجادلة 5.

وكعادة القرآن الكريم إذا ذكر وعدًا أو وعيدًا أردفه بما يضاده ليكون الكلام تامًا والمعنى شاملا، فإنه إذ بين ما أنزله على بني إسرائيل من عقوبة الغضب وضرب الذلة والمسكنة، أخبر بما للمؤمنين في كل الأديان التي أنزلها الله إلى عباده من الأجر العظيم والثواب الكريم إن هم جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، بأسلوب في غاية الروعة واللطف، دفع به توهم هلاك ما سوى مسلمي البعثة النبوية ومن اتبعهم، وكرس به أخوة ركب أولياء الله على مدار التاريخ البشري من آدم عليه السلام إلى قيام الساعة فقال: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ، فشملت رحمة الله تعالى وأخوة الإيمان والمصير المشترك السعيد في الآخرة، أربعَ طوائف اتبعت أنبياء الله الذين أرسلوا إليها، آمنت بهم وسارت على نهجهم في العمل الصالح، وهي:

الطائفة الأولى تشمل أتباع محمد صلى الله عليه وسلم ممن جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح وفارقوا ما كانوا عليه من أديان آبائهم مشركين وأهل كتاب.

والطائفة الثانية هم اليهود الذين اتبعوا موسى عليه السلام بصدق وإخلاص نية، وجمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، قبل أن تنسخ ديانتهم ببعثة عيسى عليه السلام.

والطائفة الثالثة هم النصارى الذين اتبعوا عيسى عليه السلام وجمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، قبل نسخ ديانته ببعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم،.

والطائفة الرابعة هم الصابئون، ولئن اختلف المفسرون في تحديد دينهم ونبيهم، فقيل هم من أتباع نوح عليه السلام، وقيل من بقايا الحنيفية أتباع إبراهيم عليه السلام، وقيل هم فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور، فإن الراجح أنهم في الأصل كانوا من أتباع ديانة سماوية صحيحة ونبي مرسل قبل أن يضلوا وتضيع معالم هذه الديانة وتنسخ، فالذين كانوا منهم على الإسلام الذي بُلِّغوه صحيحا قبل نسخه وجمعوا بين الإيمان والعمل الصالح هم المعنيون في هذه الآية.

قال السدي: نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي، بينا هو يحدث النبي صلى الله عليه وسلم إذْ ذكر أصحابه، فأخبره خبرهم، فقال: كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيًا، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم، قال له نبي الله صلى الله عليه وسلم: (يا سلمان، هم من أهل النار) . فاشتد ذلك على سلمان، فأنزل الله هذه الآية، فكان إيمان اليهود أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى عليه السلام؛ حتى جاء عيسى. فلما جاء عيسى كان هالكا من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى. وإيمان النصارى أن من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت