تعديدُ جنايات بني إسرائيل وعرضُ سوء طباعهم وضعف إيمانهم واضطراب مواقفهم، ولذلك أخر عرض حادثة القتيل ليبتدئ بأشرف القصدين، إذ الجانب العقدي أس بناء الجانب التشريعي ومقدم عليه، وإن كانت القصتان معا مسوقتان للتقريع، تقريع على ضعف الإيمان والاستهزاء وسوء القصد والتأويل وضعف الثقة بواحد من أولي العزم من الرسل، وترك المسارعة إلى طاعته والامتثال لأمره، وتقريع على العدوان وقتل النفس المحرمة وما تلاها من تدارئهم وتكاذبهم وتقاذفهم الذنب على بعضهم.
وتختم القصة بوصف دقيق لنفسية بني إسرائيل التي انكشفت ميدانيا، بعد معرفة القاتل، وجراءته على أن يقسم بالله مدعيا البراءة من الجريمة المرتكبة، كما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه، فقال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون} .
لقد صارت قلوبهم بكثرة المعاصي وتوالي التجرؤ على البارئ عز وجل محجوبة عن الحق، كثيفة الطبع أشد قسوة من الحجارة، لما جبلوا عليه من الجفاء والفظاظة، وجفاف الأرواح والأفئدة والأعين من الحياء والأمانة والوفاء، وما طبعوا عليه من سوء الأدب والتمرد على الطاعة والمماطلة في الانصياع، والجبن عن الجهاد والخوف من غير الله، وكتمان الحق وتحريف الدين والمتاجرة فيه، والإلحاف في السؤال والتنطع في مجادلة الرسل والأنبياء، والاعتداء عليهم بالقتل والمطاردة وحملات التشويه والافتراء. وهم بعد كل هذه الآثام المرتكبة لاهون وفي الغفلة سادرون {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} .
لقد جسد سلوك بني إسرائيل في حادثة البقرة كل عوائق الإيمان والعمل الصالح، وجميع موانع قيام الأمة الشاهدة، وإن جديرا بالأمة الجديدة الناشئة بين شعاب مكة المكرمة ولأبتي المدينة المنورة (حرتيها) ، أن تنأى عن هذه المثالب والخطايا والآثام التي عصفت بأمة سبقت إلى القوامة على دين الله وقيادة البشرية في الأرض ثم سلبتها.
لذلك سميت السورة كلها"سورة البقرة"أو"السورة التي تذكر فيه البقرة"، كما ورد في الأثر، لما لها من مكانة محورية فيها، ولما كشفته من رذائل أخلاق أطاحت بأمة أؤتمنت فخانت، وسادت ثم بادت، ولن تقوم للأمة البديل- أمة محمد صلى الله عليه وسلم- قائمة إن لم تجتنب تلك المزالق المردية والمسالك المهلكة. ولذلك حرص القرآن على الإطناب في التحذير منها والتنديد بها وكشف خلفياتها وأسبابها ونتائجها وعواقب مرتكبيها.