فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 523

هَرِمَة مُسِنَّةً ولا بِكْرا صغيرةً لم يَلْحَقْها الفحل، بل عَوَانٌ نَصَفٌ، بين الكِبَر والصِّغَر، فاتركوا الإِلحاح في الأسئلة، وسارعوا إلى الامتثال.

ومع أن الاعتراض على من ثبتت نبوته بالأدلة والمعجزات كفر، فإنهم لم يمتثلوا ولم يفعلوا، بل عادوا للسؤال تماديا في الجفاء وسوء الظن {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا} ، فأجابهم موسى مرة أخرى متغاضيا عن جهالتهم: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} ، أي أن لونها شديد الصفرة ناصعها، وهو لصفائه وحسنه يسر الناظرين، إلا أن هذه الأوصاف التي ذكرت لهم لم تَرْوِ شغفهم إلى الجدال والمماحكة فعادوا لسؤال نبيهم مرة أخرى بنفس ما عُهِد فيهم من صفاقة: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} ، فأجابهم موسى بما عهد من أخلاق الأنبياء: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا} أي إن البقرة مُسَّلَمة من العيوب مطلقا، وليست مُذَلَّّلَة بالعمل إثارةً للأرض أو سَقْيًا للحرث، لأن الاستعمال عادة يظهر في البهيمة النقص أو العيب، كما أن لونها لم تَشُبْهُ سِمَةٌ أو علامة أو لون مغاير {لاَ شِيَةَ فِيهَا} ، من الوشي وهو تطريز الثوب أو نسجه بأكثر من لون واحد. وهنا فقط أبدوا تصديقهم لموسى ولكن بنفس التثاقل المعهود في خطابهم للأنبياء: {قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} .

ثم بعد تنفيذ الأمر تبدأ معهم قضية أخرى، قضية قتيلهم الذي لم يعرف قاتله، وهي الغاية التي من أجلها ورد الأمر بذبح البقرة، فيُسَاق الخطاب فيها أيضا على نحو الخطاب في الآيات السابقة، بتنزيل المخاطبين من يهود عصر البعثة منزلةَ أسلافهم، تقريرا لقاعدة سريان طباع السلف وأخلاقهم إلى الخلف، لما للبيئة والتربية من تأثير، فقال تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} .

وقد ورد في الآثار روايات مختلفة عن ظروف هذه الجريمة وملابساتها، أقْرَبُها إلى الصحة أنه كان في بني إسرائيل رجل غني، وله ابن عم فقير لا وارث له سواه، فلما طال عليه موته قتله ليرثه، وحمله إلى قرية أخرى فألقاه فيها، ثم أصبح يطلب ثأره، فكان الوحي من الله تعالى لموسى أن يذبحوا بقرة ويضربوا القتيل بأي جزء من أعضائها، ففعلوا فعادت إليه الحياة وأخبر عن قاتله.

ثم يعقب تعالى على حادثة الإحياء هذه بقوله: {كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ، لينبه إلى حقيقة عقدية هي مفتاح سر الحياة والممات، والعلامة الفارقة بين السعادة والشقاء، إذ بمثل هذا الإحياء الذي شاهدوه عيانا يحيي الله تعالى الموتى ليوم الحساب، وبمثله يبين لخلقه آياته ودلائل قدرته وواسع علمه تنويرا للعقول وتوضيحا للحال والمآل، وإقامة للحجة {أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} الأعراف 172.

وجمهور المفسرين على أن جريمة قتل النفس كانت قبل الأمر بذبح البقرة، إلا أن السياق القرآني قدم نبأ قوم موسى في عصيانهم أوامر نبيهم ومجادلتهم إياه وجراءتهم على التعريض به والشك في ما يبلغه لهم عن ربه، لأن مجرى الكلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت