لقد كان هذا العذاب الذي حاق بهم نوعا لم تعرفه البشرية من قبل، لشدته ونُدْرَتِه، إذ صدر عن الله تعالى في حقهم أمر تحويل وتكوين، قال تعالى: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} ، مسخوا قردة مبعدين مطرودين من الرحمة، من الخسأ وهو الطرد والإبعاد، يقال:"خسأته فخسأ وانخسأ"، أي طردته فانطرد ذليلا صاغرا. وكان هذا العقاب القاسي منه تعالى نكالا، أي قيدًا مانعا، وعقوبةً زاجرة، وتحذيرا لمن عاصروا الحادثة {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} ، وعبرة لمن يأتي بعدهم من الشعوب والأقوام {وَمَا خَلْفَهَا} ، وَعِظَةً للذين يخافون الله ويتقون غضبه وعذابه {وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} .
ولئن أثار بعض المفسرين تساؤلات لا فائدة فيها ولا عبرة، عن كيفية مسخ هذه الطائفة قردةً، وهل مسخت نفوسهم وبقيت أجسادهم على ما خلقت عليه، أم مسخت الأجساد نفسها، وهل كانوا بعد مسخهم يأكلون ويشربون ويتناسلون أم لا، وهل طالت أعمارهم أم عاشوا بعد المسخ زمنا قصيرا، واعتمدوا فيما ذهبوا إليه على تأويلات وأخبار لا تصح، فإن ظاهر الآية الكريمة لا يفيد إلا إفادة مجملة بمسخهم قردة، وقدرة الله تعالى تسع كل ما يريد، وليس لنا أن نتمحل ونتكلف ما ليس لنا به علم، وقد قيل لهم كونوا قردة خاسئين فكانوا، وهذا مبلغ علمنا.
ثم أجمل القرآن كل تصرفات بني إسرائيل المنحرفة بأن أورد قصة حادثة البقرة وقد سميت السورة بها، مما يشير إلى أهمية موقعها من سياقها العام، فقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} ، والخطاب موجه إلى يهود البعثة النبوية يقول لهم:"واذكروا إذ قال موسى لقومكم السابقين إن الله يأمركم بذبح بقرة"، وكان هذا الأمر عقب العثور على قتيل من بني إسرائيل لم يعرف قاتله، فتنازعوا وأخذ كل منهم يدفع التهمة عن نفسه ويرمي بها غيره، فسألهم موسى عليه السلام فجحدوا، وسألوه أن يدعو الله ليبين لهم القاتلَ الحقيقيَّ، فدعا موسى ربه فأوحى إليه أن يذبحوا بقرة، فقال لهم موسى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} ، فدَهِشُوا وقالوا بسفاهة وحماقة: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} أي أتجعلنا موضع سخريتك؟ فأجابهم مستعيذا بالله من أن يكون جاهلا يخبر عن ربه بما لم يأمره به: {قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين} وغير خفي ما في جواب موسى من تعريض بسوء أدب قومه في مخاطبتهم إياه، وفي حديثهم عن ربهم، إذ هو بصفته نبيا معصومٌ من الهزء في تبليغ أوامر الله، وما بدا منهم لا يليق أن يصدر من عقلاء العامة فضلا عن سراتهم وحكمائهم.
لكنهم لخواء عقولهم وجهالة طبعهم وبلادة حسهم لم يرتدعوا عما نهوا عنه، بل تمادوا فيما جبلوا عليه: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} ، أي اسأل ربك يبين لنا صفات البقرة ومميزاتها، وسؤالهم هذا يكشف مكنون قلوبهم وقاحةً وجراءةً فاجرة وقد دأبوا كلما جَدَّت لهم حاجة على مخاطبة نبيهم بقولهم له: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} ، كأنما الله إلَهٌ لَهُ وحده، إلا أن الرسول الكريم تغاضى عما بدر منهم وأعرض عن سفاهتهم قائلا: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} ، أي إن ربكم يقول لكم: إن البقرة التي أمرتم بذبحها ليست