فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 523

يخاطب الله اليهود المعاصرين للبعثة النبوية بقوله: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ} إحالة لهم إلى ما يعلمونه عن طريق أحبارهم وعلمائهم بالتواتر من أمر هؤلاء المعتدين في السبت، وقد كانوا في"أيلة"زمن النبي داود على أرجح الأقوال، ولذلك لم تذكر قصتهم في أسفارهم القديمة، فأطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عليها في معجزة غيبية أخرى من معجزاته عليه الصلاة والسلام، وأمره أن يذكرهم بسؤالهم عنها مسندا الأمر لعلمهم، تأكيدا لوقوعها حقيقة، فقال في سورة البقرة {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ... } وفي سورة الأعراف {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ ... } ، وتَتَامَّتْ قصتهم في السورتين لتكون عبرةً وعِظَةً للمسلمين ومعاصري البعثة النبوية من بني إسرائيل.

لقد كان هؤلاء القوم يحتالون على انتهاك محارم الله، بما يتعاطوا من الأسباب المباحة في الظاهر، المؤدية في الباطن إلى تعاطي الحرام، تحايلا على الشريعة، ففاجأتهم نقمته عز وجل على صنيعهم واعتدائهم باتخاذهم المباحَ ذريعةً إلى الحرام، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في ما رواه ابن بطة عن أحمد بن محمد بن مسلم عن أبي هريرة بإسناد جيد، وثَّق فيه الخطيب في تاريخه ابنَ مسلم وباقي رجاله مشهورون ثقات: (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) .

والقصة وردت مفصلة في سورة الأعراف، وأشير إليها في الآية 124 من سورة النحل بقوله تعالى: {إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيه} ، والآية 154 من سورة النساء بقوله: {وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} ، وفصل أحداثها المفسرون بما ذكروه من أن أهل قرية من بني إسرائيل وقد حرم عليهم الاكتساب يوم السبت ليتفرغوا فيه للعبادة، وأراد الله أن يختبر استعدادهم للوفاء بعهودهم، فابتلاهم بتكاثر الحيتان يوم السبت دون غيره، فكانت تتراءى لهم على الساحل في ذلك اليوم - وقد خلا من الصيادين - قريبة المأخذ سهلة الاصطياد، فقال بعضهم: لو حفرنا لها حياضًا وشرعنا إليها جداول يوم الجمعة فتمسك الحياض الحوت إلى يوم الأحد فنصطادها، وفعلوا ذلك فغضب الله تعالى عليهم لتحايلهم على الأمر الإلهي بتعظيم يوم السبت والتفرغ فيه للعبادة. وكانت منهم طائفة أخرى استنكرت المخالفة ونصحتهم بالكف عنها، وطائفة اعتزلت وسكتت فلم تفعل وقالت للمنكرة: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} ؟، أي لم تنهون هؤلاء، وقد علمتم أنهم هلكوا واستحقوا العقوبة من الله؟ فلا فائدة في نهيكم إياهم. فقالت لهم المنكرة: {مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي: لقد كان إنكارنا اعتذارا إلى الله مما يفعل سفهاؤنا، وأملا في أن يتقي المخالفون غضب الله وعاقبة أمرهم فتكون منهم توبة ورجوع عما يفعلون.

فلما أصر الفاعلون على فعلهم ونسوا ما ذكروا به من تحريم، أنجى الله الطائفة المنكرة بلسانها والطائفة المنكرة بقلبها، وأهلك الطائفة الثالثة التي وقعت في الحرام، قال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} الأعراف 165.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت