فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 523

التوراة بقوة إرادة في التطبيق، ومضاء عزيمة في التنفيذ، فيواظبوا على تلاوتها ودراستها وتدبر توجيهاتها والعمل بأحكامها وعدم نسيانها، ليكون لهم ذلك وقاية ونجاة بين يدي الله تعالى: {خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} . وهي إشارة واضحة إلى أن الإيمان المُجْمَل المَشُوب بغَبَش الرؤية وغموض الهدف وشَغَب الهوى ليس بمنج يوم القيامة، وإنما المنجي هو التصور الإيماني الواضح والعمل بتفاصيل ما ورد به الميثاق في الكتاب.

ولئن عاد لبني إسرائيل رشدُهم بفعل الرَّجَّة النفسية التي أحدثها رفع الجبل واطلعوا بها على مدى غضب الله عليهم، مع عظيم قدرته وشديد سطوته، فقبلوا أخذ التوراة بشرطها، فإنهم لم يمتثلوا أوامرها ونواهيها إلا فترة قصيرة كما يبدو من سياق قوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} ، والتولي لغة هو الإدبار والإعراض عن الشيء بالجسم، ثم استعمل مجازا في الإعراض عن الآراء والأفكار والمعتقدات والعهود والمواثيق، وفي العصيان وترك الطاعة، فيقال:"تولى فلان عن طاعة فلان أو عن موالاته"، ومنه قوله تعالى {فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} التوبة 76. وقد علم من سياق الآية أن بني إسرائيل بعد قبولهم التوراة عقب رفع الطور على رؤوسهم، امتثلوا الأمر مدة وجيزة ثم تركوه، كما علم من أخبارهم في سور من القرآن أخرى أنهم حرفوا التوراة وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم، من ذلك ما فعله أوائلهم وما ارتكبه متأخروهم، وكانت رحمة الله تتداركهم بالتوبة عقب ما يرتكبون، لذلك عقب تعالى بقوله: {فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ، أي لولا حلم الله وإمهاله لكم ترغيبا لكم في التوبة وتذليلا لطريقكم إليها لعاجلكم بعقابه فخسرتم الدنيا والآخرة.

ثم لما ذكرهم بنعمة هذا العفو المتوالي الذي نجاهم به من الخسران، قَرَعَهم عز وجل بقصة المعتدين في السبت إذ خالفوا أمرا واحدا من أوامر الله استخفوها وتحايلوا عليها، فأنزل بهم عقوبة لم يسبق أن عوقب بها أحد من الناس، فقال عاطفًا على ما تقديره: لقد علمتم ما سبق من مخالفاتكم وما عوقبتم به لأجلها، وما أسبغ عليكم من نعمة الرحمة واللطف والتوبة والمغفرة والعفو، فتذكروا ما تعلمون أيضا من أمر قوم كانت عقوبتهم أشد وأنكى لمخالفتهم أمرا واحدا من أوامر الله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} . وقد شرحت تفاصيل ما حدث لهؤلاء القوم من بني إسرائيل، في سورة الأعراف بقوله تعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} الأعراف 163/ 166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت