فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 523

والميثاق لغة من فعل"وَثِقَ به يثِق"كورِث يرِث أي ائتمنه وسكن إليه، والوثيق الشيء المحكم، جمع وثاق، والميثاق عقد مؤكد بيمين وعهد، قال الله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّين} آل عمران 81، وقال: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} الأحزاب 7.

ولئن كان الميثاق الرباني المأخوذ على بني آدم وهم في ظهور آبائهم عاما مطلقا على توحيد الألوهية والربوبية، والعبادة والطاعة كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} الأعراف 172/ 173، فإن ميثاقه عز وجل لبني إسرائيل كان أكثر خصوصية وتفصيلا، إذ شمل جوهر العقيدة إيمانا وتصورا في القلب، وتفعيلا للطاعة تحملا للتكاليف، وقوةً في القيام بها وأدائها وتبليغها، فلما بلغهم التوراة وفيه تفصيل شروط الميثاق بآصاره وأثقاله، وتبيان واجباته ومحرماته وأوامره ونواهيه، استثقلوا الأمانة وكبُرَ عليهم حملها وأبَوْا أن يقبلوا بأحكامها، وتقاعسوا عن الامتثال لأوامرها وتعليماتها والعمل بها، فرفع الجبل على رؤوسهم ليُقِرُّوا بما عاهدوا الله عليه، ويأخذوه بقوة وحزم وهمة عالية، وهو ما ورد أيضا في الآية 171 من سورة الأعراف بقوله تعالى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}

والجبل الذي رفع فوقهم تخويفا من غضب الله هو الطور كما ذهب إليه أغلب المفسرين وكما يشير إليه قوله تعالى: {ونَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} مريم 52، وقوله: {ويَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ} طه 80. إلا أن هذا التخويف منه تعالى لهم أرْبَك بعض المذاهب في تفسير الآية، فأثيرت قضية عقدية متعلقة بالإكراه على الإيمان ومدى صحة التكليف بالقَسْرِ والإلْجَاءِ، لاسيما والله تعالى يقول: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَي} البقرة 256، ويقول: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر} الكهف 28. إلا أن رفع الجبل فوق رؤوس بني إسرائيل لم يكن لحملهم على الإيمان، لأنهم منتسبون لفئة المؤمنين منذ تركهم جدهم يعقوب عليه السلام (إسرائيل) على ملة إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} البقرة 133، وإنما كان التخويف من أجل أن يستشعروا مسؤولية اختيارهم فيعملوا بمقتضاه، وما داموا يعلنون الإيمان حقا أو زعما، فعليهم أن يقبلوا بنتائج ما يعلنون، إذ الرضا بالشيء رضا بنتائجه، وإلا فالأمر لهو واستهزاء وتعابث.

هذا هو المفصل العقدي الذي رُفِع بسببه الجبل، فلا إكراه في الدين حقا، وعلى المرء أن يختار بكل حرية، وأن يتحمل نتائج اختياره الحر، وما سوى ذلك لعب وسخرية بالأمر والآمر. وما الأمر الذي تثاقل له بنو إسرائيل إلا أن يأخذوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت