الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا 1/ 5 فكان نصيب امتثاله وما أخذ به الكتابَ أن مدحه ومدح أصحابه بقوله عز وجل: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ .. } الفتح 29، وخاطب من قبل نبيَّه يحيى عليه السلام فقال له: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّة} مريم 12. وكذلك كان موسى عليه السلام مضاءَ عزيمةٍ وجديةَ التزام وقوةَ حزمِ وامتثالا لأوامر الله تعالى، إلا أنه ابْتُلِيَ بشعب خائر هابط نفسا وسلوكا، لا يكاد يخرج من ذنب أُخِذَ به أو عُفِيَ عنه إلا انزلق لأخطر منه، ولا يُسْتَنْقَذ من إساءة أدب أو تصرف إلا تورط في أشد منها أو مثلها.
إن المعالي لا يرتفع لآفاقها إلا أحرار الرجال من ذوي القوة والعزم، ولا معالي في الحياة إلا حمل رسالة التوحيد ونيل حرث الآخرة بالعمل لها، لذلك واصل تعالى في هذه الآيات الكريمة تذكيرنا بأخطر مفاصل الانحراف العقدي لدى كل من آمن أو ادعى الإيمان، وهي الضعف النفسي والرخاوة في أخذ المسؤولية وتحمل الأمانة، ذلك أن تكاليف العقيدة ثقيلة {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} ، والنُّكول عن أدائها بعد حملها أو ادعاء حملها منذر بالعواقب الوخيمة، وما وقع لبني إسرائيل خير مثال لذلك. إذ رفع الجبل فوق رؤوسهم غضبا من الله تعالى، لتقاعسهم عن حمل الأمانة وتخاذلهم عن أداء تكاليفها، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .
فما المخالفة الجديدة التي تحرك لها الجبل وارتفع؟!
أما انتسابهم إلى نبي الله يعقوب (إسرائيل) فمما يعرفونه ويفخرون به.
وأما الديانة اليهودية فمما ينتحلونه.
وأما اتباعهم موسى والتصديق به وبتعاليمه فمما يدعونه ..
فما المخالفة التي أخذوا بها هذه المرة؟
لقد سألوا نبيهم أن يكون لهم مرجع عقدي في حياتهم يتحاكمون إليه، ولبى الله تعالى طلبهم فأرسل إليهم التوراة عند مناجاته موسى في الميقات، ولما رجع إليهم بألواح الكتاب وجدهم عبدوا العجل، ثم بعد أن تابوا وطهروا صفهم من المفسدين طلبوا أن يروا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فماتوا بها، ثم بعثوا بعد موتهم لعلهم يشكرون. فما جريرتهم هذه المرة حتى رفع الجبل فوق رؤوسهم؟
لقد كان الخلل في كثير من مخالفاتهم راجعا إلى غبش في تصورهم الإيماني، تصورا لله على غير حقيقته، أو للنبوة على غير طبيعتها، أما في هذه الحالةالجديدة، فالأمر مختلف، إنه نقض صارخ لميثاقهم مع ربهم إذ واثقهم، وخيانة بينة للعهد الذي عاهدوه، وما التثاقل الذي أخذوا به أمرهم والتقاعس الذي بدا في تصرفاتهم وأقوالهم إلا عرض من أعراض الداء الذي استقر في نفوسهم.