فقال تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .
لقد علم الله تعالى أن أخطر عدو سيواجهه المسلمون في مسيرتهم الجديدة، وعلى تعاقب الحقب والأجيال بعدها، هم بنو إسرائيل، ولذلك أخذ الوحي ينزل فيهم أوائل الفترة المدنية، كشفا لأساليبهم الملتوية، وتهيئة نفسية لوعي المسلمين بالمعركة العقدية التي تنتظرهم في هجرتهم إلى المدينة، واليهود بها لهم شأن وقوة ومال وحلفاء في أكبر القبائل، الأوس والخزرج، أو التي سيخوضونها في العصر الحديث، وإسرائيل لها فيه قوة ومال وحلفاء ومصالح مشتركة مع جميع قوى الشر المعاصرة، فقال تعالى في حقهم: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} الأعراف 169. وهو ما يتجدد في كل جيل، إذ تتوالى أخلافهم فتسير بسيرة الآباء والأجداد، يرثون ما حرف من التوراة ويحاولون تحريف ما لدى عدوهم التاريخي من القرآن.
يبدأ القرآن الكريم حملة التوعية بمكرهم وأساليبهم الملتوية منذ بداية الفترة المدنية، ملتزما في نفس الوقت بالعدل والإنصاف في حق الصالحين منهم وقد كانوا قلة يعدون على رؤوس الأصابع، منهم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن أسعد، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، آمنوا فقالت أحبار اليهود عنهم: ما آمن لمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من أخيارنا لما تركوا دين آبائهم، فأنزل الله تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} آل عمران 113، و: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} آل عمران 199.
وتستمر خلال الفترة المدنية عامة، وفي سورة البقرة بوجه خاص، حملةُ التوعية مركَّزةً قوية في مواجهة الهجوم اليهودي الشرس الظالم على الدعوة الناشئة، وقد استعملوا فيه أخس الأساليب والوسائل والأسلحة، افتراء وتلفيقا ومحاولة اغتيال وتسميم، وسحرا وشيطنة، وبلغ بهم الحقد والضغينة أن نصروا أصنام قريش على عقيدة التوحيد التي أتى بها نبيهم موسى وبشر بها محمد عليهما الصلاة والسلام، إذ جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة، فقالوا لهما: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم، فأخبرونا عنا وعن محمد، فقالا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكَوْمَاء (الناقة السمينة العظيمة) ، ونسقي الماء على اللبن، ونفك العُنَاةَ، ونسقي الحجيج، ومحمد صنبور (أي أبتر لا ولد له ولا أخ) ، قطع أرحامنا، واتبعه سُرَّاقُ الحجيج بنو غفار، فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلا، فأنزل الله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ