لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا النساء 51، وماكانت شهادة الزور هذه من يهود لأصنام قريش إلا ليستنصروا بالمشركين ويستميلوهم إلى محاربة المسلمين معهم، فأجابوهم وجاؤوا معهم يوم الأحزاب إذ حفر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الخندق حول المدينة، وكفاه الله شرهم كما قال تعالى: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} 25/ 27.
لقد كان القرآن الكريم ولا يزال سلاح الدعوة الذي لا يفل، ومعجزة الدهر بيانا وتشريعا وعظة ونظاما للحياة وطِبًّا للقلوب، تعجز عن الإتيان بمثله الجن والإنس ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وكان ديدن اليهود على مدار التاريخ أن يحرفوا كلام الله تعالى، تنصلا من تعاليمه، ومتاجرة فيه، فبخسوا التوراة قدرها وحرفوها نقصا وزيادة وتأويلا، وحاربوا الإنجيل ودسوا فيه وكذبوا على نبيه وحاولوا قتله، ثم لما ظهر القرآن الكريم {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} المائدة 48، شحذوا أسلحة التزوير والتحريف والافتراء والتشكيك كما هي عادتهم {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} التوبة 32. وما زالت مستمرة في عصرنا هذا محاولاتُهم التخلصَ من القرآن بنشر طبعات محرفة له، والضغط على بعض حكومات المسلمين الخانعة كي تحذف من مناهج التعليم في مدارسها آيات تتعلق بعبادة الجهاد أو بصفات بني إسرائيل في القرآن، وهدفهم دائما هو تحريف الوحي عما جاء به من العقيدة والشريعة. من أجل ذلك نبه رب العزة المسلمين إلى الغاية القصوى لجهود بني إسرائيل على مدار التاريخ وهي محو الإسلام من الوجود والقرآن من القلوب، فقال: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَق} البقرة 109، وقال: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} البقرة 105.
ولذلك أنزل الله تعالى قوله: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} لطفا بالمسلمين وتخفيفا عنهم، وطمأنةً لقلوبهم، وتيئيسا لهم من إيمان غالب يهود عصر البعثة وجمهرتهم، أي: إن ارتقابكم إسلامهم وقد علمتم قسوة قلوبهم على ما شاهدوه من البينات، يثير التعجب، وكذلك طمعكم أن يُسْلِسُوا لكم القياد والاتباع ويَصْدُقوكم القولَ ويُصَدِّقوا بما أُنْزِل إليكم من الوحي، لأن المشيئة الإلهية سبقت لهم بالخذلان، والحكمة الربانية اختارت لهم الحرمان، وللجنة أهلها وللنار أهلها {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} القصص 56، وما تبليغ رسالة الإسلام إلى من علم الله إصرارهم إلا إقامة للحجة عليهم في الدنيا عند إجراء أحكام الكفر عليهم، وفي الآخرة عند الشهادة عليهم.