بعد أن كشف القرآن الكريم تعارض أعمال بني إسرائيل الظاهرة وتصرفاتهم المعلنة مع ما يَدَّعون من إيمان بالتوراة وتمسك بها وتشدد في تطبيق تعاليمها بقولهم: {نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} ، ومع ما يعلنون من اطمئنان للآخرة واستئثارهم وحدهم بالجنة إذ قالوا: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} البقرة 80، وقالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُه} المائدة 18، استكبارا بالإثم، وزعزعة لثقة المسلمين بوعود القرآن لهم بالجنة، وزعما أنها لليهود وحدهم لأنهم شعب الله المختار، انتقل إلى استدراجهم لكشف ما في قلوبهم من معرفة بأنفسهم، وفضح حقيقة اطمئنانهم بمآلهم عند ربهم، ومدى اقتناعهم بتطابق تصرفاتهم مع مقتضيات الإيمان وشرائعه، وهو انتقال من كشف المنظور إلى كشف المستور، ومن بيان انحراف الأقوال إلى تعرية ما أكنت قلوب الجهلة منهم والضُّلَّالِ، ومن إبطال دعواهم الإيمان في مجال أعمال الجوارح إلى إبطال دعواهم الإيمان في ما أضمرت الأفئدة والجوانح، وما تجيش به النفوس من محفزات للشر وكوابح عن الخير، فقال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَْ} ، ذلك أن الموقف من الموت مسبار للقلوب لا يخطئ، ومعيار لقياس التصور الإيماني صحة ووضوحا، أو غبشا واضطرابا وإلحادا وشركا وكفرا، إذ الإيمان علم وعمل يهديان للآخرة، علم وقر في القلب وصدقه العمل به فأخذ بيد صاحبه إلى النجاة، وشرف العلم والعالم سلوك ينير طريق الآخرة ويشوق إلى لقاء الله، وكلما اشتاق المرء إلى ربه وأحب لقاءه تيسرت له الأسباب، وأعين على تجاوز العوائق والأتعاب، وقد أخرج الشيخان (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ، فَقُلْت يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَمَّا كَرَاهَةُ الْمَوْتِ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ، فَقَالَ لَيْسَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَه) ، ولا بشرى للمؤمن بما ينتظره عند ربه من رضا ونعيم، أشد وضوحا من صدق إيمان وصالح عمل، وعلامة ذلك ما يملأ صدره من صدق في المعاملة مع الغيب والشهود، وإخلاص في السر والعلانية، ورضا بما يختاره الله ويقدره، وخوف منه عز وجل ورجاء فيه، وولاء لمن يواليه وبراء ممن يعاديه، فإذا طَهُرت القلوب واستقامت الأعمال كان حب لقاء الله أقرب إلى النوال، قال سفيان الثوري:"ليس من علامات الهدى شيء أبين من حب لقاء الله فإذا أحب العبد لقاء الله فقد تناهى في البر". لذلك دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته على حب لقاء الله والعمل بما يبلغهم إياه، فلم تقبض روحه عليه السلام إلا وقد خُيِّر فاختار الرفيق الأعلى وأوصى بأن يحسن الظن بالله، فيما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَقُولُ: لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) . وكان صحابته رضي الله عنهم نماذج تحتذى في الاستهانة بالموت والإقبال على الاستشهاد، كما هو حال الصحابي الذي أعطاه رسول الله نصيبه من الغنيمة فرفضها وقال له: (مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ، وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى إِلَى هَاهُنَا،