فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 523

وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ، فَأَمُوتَ فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَقَالَ: إِنْ تَصْدُق اللَّهَ يَصْدُقْكَ، فَلَبِثُوا قَلِيلًا ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْمَلُ قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَهُوَ هُوَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ، ثُمَّ كَفَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جُبَّةٍ للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ: اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا، أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ). وكما فعل الإمام علي كرم الله وجهه إذ كان يطوف بين الصفين بغِلالة، فقال له ابنه الحسن: ما هذا بزيّ المحاربين، فقال: يا بنيّ لا يبالي أبوك أعلى الموت سقط أم عليه سقط الموت، وهو أيضا حال حذيفة رضي الله عنه إذ كان يتمنَّى الشهادة، فلما حضره الموت قال:"حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم"أي لا ربح من ندم على تمني الموت.

ذلك أن من كان متحققا من حسن حاله مع الله علم أن الموت باب من أبواب الجنة، به يتوصل إليها، ولو لم تكن موت لم تكن جنة، وقد عدها عز وجل نعمة امتن بها على المؤمنين وجعلها لهم طريقا إلى النعيم الأبدي فقال: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} البقرة 28، كما جعلها لعصاته من الكفرة بابا من أبواب جهنم وطريقا يساقون منه إليها، وهو ما فهمه كفرة بني إسرائيل إذ تحداهم القرآن الكريم بأن يسألوا الله الموت إن كانوا متحققين من حسن حالهم مع ربهم، عقيدة وأعمالا، إلا أنهم سارعوا إلى الشهادة على أنفسم بسوء حالهم، فلم يمتثلوا جزعا وخيفة، ولم يستجيبوا للتحدي المرفوع في وجههم، ولو كانوا موقنين بأن الدار الآخرة (الجنة) لهم وحدهم مختصة بهم وسالمة لهم، لا يدخلها إلا من كان هودا، لسألوا الله الموت، لأن من أحب شيئا اشتاق إليه، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ} أي إن كان حالكم إيمانا وعملا، مرضيا عند الله يدخلكم به الجنة {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .

ولقد ذهب المفسرون فريقين في معنى تمني الموت دعاء بها أو مباهلة:

فريق التزم بظاهر الآية وليس فيها تصريح بالمباهلة، وقصر المعنى على أن يسألوا الله الموت إن كانوا صادقين في دعواهم، وهو أسلوب قرآني مستعمل في مجالات التناكر وتعارض المزاعم، كما في آية اللعان بقوله تعالى: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} النور 8/ 9.

وفريق رأى أن التمني يفيد معنى المباهلة، بأن يدعو الفريقان بالموت على الكاذب منهما، كما وقع عندما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم إليها نصارى نجران إذ أمره الله تعالى بقوله: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ الله عَلَى الكاذبين} ، وقد روي عن ابن عباس أن المباهلة تكون (بأن يحضروا مع المؤمنين في صعيد واحد، ثم يدعو الفريقان بالموت على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت