الكاذب منهما، وأن اليهود أبوا ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وفي هذا التحدي الذي رفع في وجههم إنصاف للطرفين وعدالة في الفصل بينهما، إذ الأنبياء معصومون من الكذب مطلقا، والمباهلة إن كانت مع نبي استؤصل الطرف المعادي للنبوة دائما، قال ابن جرير في تفسيره:"وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا) ". واحتجوا لدفع معنى تمني الموت بسؤالها من الله دون مباهلة، بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان: (لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي) . إلا أن الحديث يفيد النهي عن تمني الموت جزعا من البلاء، أما تمنيه حبا في لقاء الله وشوقا إلى الجنة وحسنَ ظنٍّ بالله للصادقين من المؤمنين فمما ورد به الأثر الصحيح، وقد أخرج أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله قال: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابُ أُحُدٍ أَمَا وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي غُودِرْتُ مَعَ أَصْحَابِ نُحْصِ الْجَبَلِ، يَعْنِي سَفْحَ الْجَبَل)
ولئن كان التمني في هذه الآية الكريمة، وهو الدعاء على النفس بالشر، يعد بتأويل قريب نوعا من المباهلة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحديا لعنادهم واستكبارهم بأحد أمرين، إما أن يؤمنوا بالله ورسوله، وإما أن يباهلوا بأمر يسير هو أن يسألوا الله الموت لأنفسهم إن كانوا صادقين، فإنه لا تعارض جوهري بين ما ذهب إليه الفريقان في تفسير الآية الكريمة.
ونظرا لما يعلم اليهود من حالهم، وما يعلمه الله تعالى من سرهم وعلانيتهم، عقب القرآن على دعوة التحدي هذه بقوله تعالى {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} أي أنهم لن يتمنوا الموت أبدا ولن يباهلوا حالا أو استقبالا، خشية أن يستجيب الله فيأخذهم، لأنهم يعلمون أنهم كاذبون، وأن ما قدموه من عمل لا يجعل لهم نصيبا في الآخرة، ولما عرفوه في التوراة من صفات النبي صلى الله عليه وسلم ونعته وصدقه، وما علمه الله تعالى من تمرسهم على ظلم أولياء الله من الأنبياء والمرسلين وعموم المؤمنين، ولو سألوا الموت يومئذ (ما بقي على الأرض يهودي إلا مات) كما قال ابن عباس وغيره، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} الجمعة 6 - 8.
لقد أكد رب العزة نفي قبولهم المباهلة حالا واستقبالا بأقوى تعبير وأبلغه في الآيتين فقال في الأولى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} ، وقال في الثانية: {وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا} ، وهو من معجزات الإخبار بالغيب التي أتى بها القرآن الكريم، إذ ثبت تاريخيا أنه لم يجرؤ أحد منهم على ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى حين وفاته.