فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 523

ثم لَمَّا بَيَّنَ خوفَهم الشديد من الموت وسوء المنقلب، كشف الداعيَ النفسي الباطني إلى موقفهم هذا، وهو التمسك بالحياة على أي صفة كانت، ذلا أو عزا، فقرا أو غنى، سعادة أو شقاء، عسرا أو يسرا، المهم لديهم هو ألا يموتوا، فقال تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} أي لَتَعْلَمَنَّهم أكثرَ الناس تمسكا بالحياة، لأن فعل"وجد"إذا كان متعديا لمفعولين أدى معنى"علم".

إن حب الدنيا يلهي عن الآخرة، ولكن الأسوأ منه هو حب البقاء فيها، وهذا حال اليهود وهم أشد حرصا من جميع الأقوام والأجناس على حياة متطاولة، بل أحرص عليها حتى من المشركين {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} الذين لا يعرفون إلا الدنيا ولا يؤمنون بآخرة أو بعث أو نشور، يرجو الواحد من اليهود أن يتطاول به العمر ولو تجاوز الحد المعقول للأعمار البشرية {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} أي لو يعيش دائما، لأن عدد الألف عند العرب كانت تعني نهاية العدد، {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ} ولن ينجيه تعميره المتطاول من العذاب الذي ينتظره، لأنه لابد من الموت، والمصير إلى الله، والله تعالى قادر عليهم، موفيهم عقوبتهم المستحقة، بصير بأحوالهم ما ظهر منها وما خفي {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} .

إن الموقف من الموت مقياس دقيق للنفس البشرية، وميزان صحيح توزن به النوايا والأحوال والأعمال، وهو ما تؤديه الإشارة في هذه الآية الكريمة، إذ كل حياة يهدمها الموت، وكل حال مآله الفناء، مُدَّعِي محبةِ الله تبلو الموتُ دعواه، وتكشف سره ونجواه، والناس في هذا ما بين امرئ أبصر واعتبر ففاز وظَفِر، وآخر اتخذ إلهه هواه فخاب وخسِر، كما هو حال اليهود إذ خافوا الموت بما قدمت أيديهم، وراموا البقاء في الدنيا بما لا ينفعهم ولا ينجيهم.

ثم يتخذ القرآن الكريم من موقف اليهود من جبريل عليه السلام وعداوتهم له، مدخلا لأخطر أبواب العقيدة التي اختلت لديهم، وهو باب الولاء والبراء الذي به يحب المرء لقاء ربه أو يكرهه، فقال: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ} ، ذلك أن اليهود كانوا يعدون جبرائيل عليه السلام عدوهم كما ورد في الأثر، وقد ناظروا النبي صلى الله عليه وسلم في أَمر النبوة، فقالوا له: يا أَبَا القَاسم أَخْبِرْنَا عن خمسة أَشياءَ فَإِن أنْبَأَتَنَا بها عَرَفْنَا أَنَّكَ نَبِيٌّ وَاتّبَعْنَاكَ، فَأَخذ النَّبِيُّ عَلَيهِمِ المِيثَاقَ إِذْ قَالَ: (وَاللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) . ثم قَال لَهُمْ: هَاتُوا، فَسَألُوهُ أَسْئِلَةً أَرْبَعَةً أَجَابَهُمْ عَلَيْها، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَ وَلَهُ مَلَكٌ يَأتِيهِ بِالخَبَرِ، فَأخْبِرْنَا مَنْ صَاحِبُكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: (صَاحِبِي جِبْرِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ) ، قَالُوا: جِبْرِيلُ ذَاكَ الذِي يَنْزِلُ بِالحَرْبِ وَالقِتَالِ وَالعَذَابِ عَدُوُّنَا، وَإِنَّهُ أنْذَرَ اليَهُودَ بِخَرَابِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَكَانَ مَا أنْذَرَ بِهِ، لَوْ قُلْتَ إنَّ صَاحِبَكَ مِيكَائِيلُ لاتَّبَعْنَاكَ، لأَنَّهُ المَلَكُ الذِي يَنْزِلُ بِالرَّحْمَةِ وَالغَيْثِ. فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ... } ، أي من كان يعادي جبريل، وهم اليهود {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} فإن جبريل هو الذي نزل بالقرآن على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، وما هو إلا رسول من ربه ينزل بما أُمِر، ليس له أن يبدل أو يغير {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} وهو القرآن الكريم، مصدقا لما سبقه من الكتب المنزلة من عند الله،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت