وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ولئن كان ينزل بالعذاب والشدة والحرب على الكفار كما يقول اليهود، فإنه ينزل بالهداية إلى الصراط المستقيم والبشارة للمؤمنين بسعادة الدارين.
ثم عقب بأخطر ميزان عقدي للتمييز بين المؤمنين وبين غيرهم من الكفار والمنافقين كما ورد في سورة الفاتحة وأول سورة البقرة إذ نص الذكر الحكيم على صفات المؤمنين، وكشف صفات غيرهم من طائفتي المغضوب عليهم والضالين، وهو ميزان الحب والبغض، الموالاة والمعاداة، الولاء والبراء، فقال تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} . أي من كان معرضا عن تعاليم الله تعالى، كافرا بما تأتي به ملائكته ورسله من الهدى والحق، مبغضا لعباده وأوليائه مواليا لأعدائه ومحاربي دينه ومنهاج شريعته، فإنه عز وجل يجازيه بنظير ما فعل، إعراضا عنه وإبعادا من الرحمة وإركاسا في العذاب.
إن الله تعالى لا يريد من الناس عبادات جافة لا روح فيها، أو حركات جسدية يابسة لا تَنِي تكرر نفسها، ولكن يريد قلوبا يانعة ملئت محبة لله ورسوله وملائكته وخيار خلقه المؤمنين، وشعائرَ رطبةً بالمودة والنصرة والغيرة لِحُرَمِ الله في تعاليم كتبه وأعراض أوليائه، فمن أحبهم فهو حبيب الله، ومن عاداهم فهو عدو لله. وما الإيمان الحق إلا (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّه) وما المحبة الصادقة إلا أن تحب ما يحبه الله ورسوله وتبغض ما يبغضه الله ورسوله.
الدين محبة لله ولأوليائه، واتباع لأوامره ونواهيه، ونصرة لدينه وللمؤمنين، ومن فقد المحبة والاتباع والنصرة فقد الدين كله. يقول تعالى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} آل عمران 31.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار) ، وفي الترمذي وغيره: (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، ومن أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان) ، وفي الطبراني والسيوطي وغيرهما: (أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله و المعاداة في الله و الحب في الله و البغض في الله) .
إن محبة الله بصدق وإخلاص هي أصل التوحيد ومبناه، تسبق كل محبة وتغلبها، ومما يتفرع عنها المحبة في الله، وهي محبةُ أولياء الله من كرام خلقه، ملائكة وأنبياء ورسلا ومؤمنين من الجن والإنس، وإيثارُ ما يحبه الله من الأعمال والمشاعر والطاعات، ولا تكتمل المحبة في الله إلا بما تثمره في القلب من بغضٍ في الله، بغضٍ للكفر والنفاق وأوليائهما، ودعاتهما ومناصريهما، إذ الحب والولاءُ للمؤمنين، والبغضُ للمشركينَ والكفار والبراءةُ منهم من أصول عقيدة المؤمن، قال الله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ